جار التحميل...
فيما يأتي تعريف التخطيط، وتوضيح للمراحل التي يمرُّ بها.
التخطيط عمليَّة أساسيَّة تسبق اتِّخاذ القرارات؛ فهو الخُطوة الأولى نحو تحقيق النجاح والإنجاز، ومن خلاله يجري تحديد الأهداف المُراد تحقيقها، وتحديد الطُّرُق والوسائل المُناسِبة لتنفيذ هذه الأهداف، بالإضافة إلى تحديد الزمن المُناسِب لإتمام المَهامّ، ويتضمَّن التخطيط أيضاً تحديد المسؤوليات، وتوزيع الأدوار بين الأفراد المَعنِيِّين بتنفيذ الخُطَّة، وتحديد الموارد المطلوبة لتنفيذها بنجاح، وهو عمليَّة مُستَمِرَّة ومُتَكامِلَة تتطلَّب التفكير العميق لتحديد الخيارات المناسبة والضروريَّة لتحقيق النجاح في المستقبل، وعليه، فإنَّ التخطيط أساس أيّ جهد ناجح؛ سواء أكان مشروعاً شخصيّاً، أو عمليّاً.
وثمَّة مجموعة من المبادئ التي تقوم عليها عملية التخطيط، ومن أهمِّها "مبدأ المرونة"؛ ويُقصَد به القدرة على تكييف الخُطَط والاستراتيجيّات مع التغيُّرات المُتوقَّعة أو غير المُتوقَّعة، ممّا يتطلَّب وضع خُطَط قابلة للتعديل والتحديث بسرعة وسهولة؛ بهدف الاستجابة بفعاليّة للتحدِّيات والفُرَص الجديدة.
وتُعَد "الكفاءة" من المبادئ المُهِمَّة أيضاً، ويُقصَد بها تحقيق الأهداف بأقلّ تكلفة وجهد مُمكِنَين، وباستخدام أقلّ قَدر من الموارد؛ سواء كانت ماليَّة، أو بشريَّة، أو مادِّيَّة، ممّا يسهم في تحقيق التوازن بين الأهداف المرغوبة والمُوارد المُتاحة، كما أنَّ لمبدأ "التعاون" تأثيرات إيجابية كبيرة على عملية التخطيط؛ إذ يُتيح الاستفادة من الأفكار والتجارب المُتنوِّعة للأفراد، ممّا يُسهم في تحسين الخُطَط وتطويرها بشكل كبير.
تتألَّف عملية التخطيط من مجموعة من المراحل المُتَرابِطة والمُتَسلسِلة، والتي تُشكِّل إطاراً شاملاً يُوجِّه الجهود نحو تحقيق النتائج المَرجُوَّة، ويمكن تقسيمها إلى خطوات عامَّة تشمل الآتي:
تُعَدّ مرحلة تحديد الأهداف الخُطوة الأولى والأكثر أهمِّية في عملية التخطيط؛ ففي هذه المرحلة يجري تحديد النتائج والغايات التي يسعى الفرد أو الفريق أو المُؤسَّسة إلى تحقيقها، وتأتي هذه الخطوة في بداية عملية التخطيط؛ لأنَّها تساعد في تحديد الاتِّجاه العامّ، وتوجيه الجهود نحو تحقيق الرؤية والمهمَّة المُحدَّدة.
وقد جرى اختصار المعايير التي ينبغي توفُّرها في أيّ هدف مُحدَّد في كلمة"SMART"؛ إذ يُمثِّل كلّ حرف صفة ينبغي أن تتوفَّر في الهدف ليكون فعّالاً، وهي كالآتي:
يجب تحديد الهدف بوضوحٍ ودِقَّةٍ؛ أي تحديد معاييره بوضوح بحيث يسهُل فهمه على نحو دقيق؛ فعلى سبيل المثال، بدلاً من تحديد هدف عامّ مثل "زيادة مستوى اللياقة البدنيّة"، يُمكن جعله مُحدَّداً أكثر، مثل "زيادة القدرة على الجري في غضون ثلاثة أشهر"، ويُوفِّر تحديد الهدف بشكل مُحدَّد توجيهاً واضحاً للجهود والتدابير التي يجب اتِّخاذها لتحقيقه، ويساعد أيضاً في قياس التقدُّم نحو تحقيقه.
يجب أن يكون الهدف قابلاً للقياس بمُؤشِّرات مُحدَّدة، ليَسهُل تقييم التقدُّم ومعرفة ما إذا تمَّ تحقيقه بالفعل، أم لا؛ فالهدف المذكور في المثال السابق يمكن قياس تحقيقه من خلال "تسجيل عدد الكيلومترات المقطوعة يوميّاً أو أسبوعيّاً خلال الأشهر الثلاثة"، و"تسجيل الزمن المُستَغرَق للجري كلّ يوم أو كلّ أسبوع ومقارنته بالزمن المُستَهدَف"؛ فهذه المُؤشِّرات تُسهِّل عملية تقييم التقدُّم، وتساعد بالتالي في ضبط الجهود، واتِّخاذ الإجراءات الضروريَّة -إذا لَزِم الأمر-.
يجب أن يكون الهدف واقعيّاً وغير مُبالَغ فيه، بحيثُ يكون من الممكن تحقيق التقدُّم نحوه؛ أي أنَّه لا بُدَّ من تحديد أهداف يكون بإمكان الفرد أو الفريق أو المُؤسَّسة تحقيقها بناءً على الموارد المُتاحة والقدرات الفِعليّة؛ فعلى الرغم من أنَّ وضع أهداف تتميَّز بالتحدِّي والطموح يُعَدّ أمراً ضروريّاً للتحفيز على بذل المزيد من الجهود، إلّا أنَّها يجب أن تكون قابلة للتحقيق بحيث لا تتسبَّب في الإحباط والفشل.
يجب أن يكون الهدف مُرتبِطاً ارتباطاً وثيقاً ومُباشِراً بالغاية الأساسيّة للفرد؛ ففي المثال السابق، يُعَدّ هدف "زيادة عدد الساعات اليومية لممارسة الرياضة" ذا صِلة؛ لأنَّه يُعزِّز قدرة الفرد على تحقيق الهدف الرئيس بزيادة التمرين والتحسُّن في اللياقة البدنية، بينما هدف مثل "حضور دروس اليوغا مرَّتَين في الأسبوع لمُدَّة ثلاثة أشهر"، ليس ذا صلة مُباشِرة به.
يجب تحديد إطار زمنيّ لإتمام تحقيق الهدف؛ فهذا يساعد في تركيز الجهود، وتنظيم العمل بفعاليَّة، ومُراقَبَة مدى التقدُّم نحو تحقيقه؛ ففي المثال السابق، هناك إطار زمنيّ مُحدَّد لتحقيق الهدف؛ وهو ثلاثة أشهر، ويُعَدّ وقتاً كافياً لتحقيق زيادة في القدرة على الجري بمسافة خمسة كيلومترات، كما أنَّه يسمح بمُراقَبة مدى التقدُّم نحو تحقيق الهدف.
بعد تحديد الهدف المُراد تحقيقه، يأتي دور تحديد المهامّ والإجراءات اللازمة لذلك، ويُقصَد بها الخطوات الفِعليَّة والأنشطة الفَعّالة الواضحة والمُحدَّدة التي تساعد في توجيه الجهود والموارد نحو تحقيق الأهداف، وخلال هذه المرحلة يأتي تحليل الهدف الرئيس وتقسيمه إلى أهداف فرعيَّة، وتحديد الخطوات الدقيقة التي يجب اتِّخاذها لتحقيق كلّ هدف فرعيّ، ممّا يُقلِّل القلق والضغط المُرتَبِطَين بتحقيق الأهداف الكبيرة.
فعلى سبيل المثال، إذا كان الهدف "الحصول على ترقية في العمل"، على الفرد تقسيم هذا الهدف إلى أهداف فرعيّة، وتحديد الخطوات الفعليّة والإجراءات اللازمة التي تُحقِّق التقدُّم بانتظام نحو تحقيقه؛ فقد تكون الأهداف الفرعيّة "تحقيق معيار أداء مُعيَّن"، أو "تعلُّم مهارة جديدة"، ويمكن تحديد خطوات صغيرة ومُحدَّدة بوضوح لتحقيق "تعلُّم مهارة جديدة"، مثل "التسجيل في دورة تدريبيَّة"، و"تخصيص وقت يوميّ للمُمارَسة"؛ إذ تُساعِد هذه الخُطوات في بناء خُطَّة توجيهيَّة؛ للحصول على الترقية المرغوبة في العمل.
إنَّ تحديد جدول زمنيّ لا يقتصر على الأهداف الرئيسة، بل يتعيَّن كذلك تحديد جدول زمنيّ للمَهامّ والإجراءات اللازمة لتحقيق هذه الأهداف؛ بوضع وقت مُحدَّد لإتمام كلّ مهمَّة، وذلك عن طريق تقييم المُتطلَّبات، والجهد المطلوب، واحتساب الوقت اللازم لذلك، كما يجب ترتيب المهامّ وتنظيمها، وتحديد الأولوِيّات في الجدول الزمنيّ؛ بحيث يكون البدء بالمَهامّ الأكثر أهمِّية أو الأكثر إلحاحاً، لتسير العملية بصورة مُنظَّمة بعيداً عن العشوائيَّة.
فعلى سبيل المثال، إذا كان الهدف هو "تحسين مهارات الطبخ خلال الأشهر الأربعة القادمة"، يمكن تحديد جدول زمني لتحقيق المهامّ التي يجب إتمامها لتحقيق هذا الهدف، فمثلاً يمكن تخصيص الشهر الأوّل لحضور دورة تدريبيّة وتطبيق وصفة جديدة كلّ أسبوع، بينما يمكن التركيز في الشهر الثاني على تحضير أطباق مُحدَّدة؛ كالحلويات، وهكذا.
في هذه المرحلة يجري تحديد الموارد اللازمة لتحقيق الأهداف المُحدَّدة جميعها وتوفيرها، ويشمل ذلك تحديد الأدوات، والموادّ، والمال اللازم، وتُعَدّ هذه الخطوة مُهِمَّة؛ لضمان التوافُق بين الهدف المنشود والموارد المُتاحَة لتحقيقه، وإذا لزم الأمر، يجب وضع خُطط لتوفير الموارد الناقصة أو الإضافية؛ لضمان نجاح عملية التخطيط، وتحقيق الأهداف بنجاح؛ فعلى سبيل المثال، إذا لم يُحدَّد المال اللازم لتنفيذ مشروع ما، فقد يكون من الصعب البدء في تنفيذه، أو استمراره.
لضمان إتمام إنجاز المهمّات في الوقت المُحدَّد لها، ولمُتابَعة التقدُّم نحو تحقيق الأهداف المطلوبة وتقييمه، لا بُدَّ من استخدام مجموعة من أدوات التقييم التي يجري من خلالها قياس التقدُّم وتقييمه دوريّاً وباستمرار، والتحقُّق من أنَّ العمل يسير في الاتِّجاه الصحيح، ممّا يُسهِم في تحديد الصعوبات والتحدِّيات التي تُعَرقِل التقدُّم، وبالتالي اتِّخاذ الإجراءات اللازمة لمُواجَهَتها والتخلُّص منها، وعليه، فإنَّ من الضروريّ أن يكون في عملية التخطيط تحديدٌ واضحٌ لأدوات التقييم التي ستُستَخدَم لمُراقَبة التقدُّم نحو تحقيق الأهداف المُحدَّدة، والتي تختلف باختلاف طبيعة الأهداف ومجالها.
فعلى سبيل المثال، إذا كان الهدف هو "تحسين مهارات الطهي خلال الأشهر الأربعة القادمة"، فيمكن مُراقَبة التقدُّم من خلال تجربة تحضير وصفات مختلفة بانتظام، وتقييمها من قِبَل الأشخاص الذين يتناولونها، فإذا لُوحِظَ تطوُّر في مهارات التحضير وتقديم الأطباق، وتَحسُّن في نكهة الطعام ومَذاقه، فهذا يُشير إلى التقدُّم نحو تحقيق الهدف المُحدَّد في مجال الطهي.
تُعَدّ هذه المرحلة من المراحل الحاسمة في عملية التخطيط؛ ففيها يكون اتِّخاذ القرارات اللازمة استناداً إلى البيانات والمعلومات التي جُمِعَت أثناء مرحلة مُراقَبة التقدُّم والتقييم؛ فعندما يكون واضحاً أنَّ التقدُّم نحو الأهداف لا يجري بحسب المُتوقَّع، يصبح من الضروريّ اتِّخاذ قرارات فوريّة وفَعّالة لتصحيح المَسار، وتشمل إعادة تقييم الخُطَّة الحاليَّة، وتحديد العقبات، وتطوير استراتيجيّاتٍ لتجاوُزها، وتقييم الموارد المُتاحة، وتوجيهها بفاعِليَّة أكبر، وتصحيح الأخطاء، وتحديث الأهداف والخُطَط بناءً على المُستَجدّات.
ففي المثال السابق، يمكن تعديل الاستراتيجيات إذا لُوحِظ عدم تحقيق تقدُّم نحو تحقيق الهدف؛ بعدم الاكتفاء بوسائل التعلُّم الذاتيَّة، والاستفادة من الالتحاق بدورة تدريبيَّة لتعلُّم فنون الطهي، فمثل هذا التعديل يهدف إلى ضمان تحقيق الأهداف ضمن الإطار الزمني المُحدَّد.
وفي الختام، يُنصَح بتطبيق عمليَّة التخطيط على أيّ هدف يُراد تحقيقه؛ إذ تُسهِم هذه العمليَّة في زيادة فُرَص النجاح، وتقليل احتماليَّة الفشل، وتعزيز التركيز والانضباط في تنفيذ الأهداف، فالتخطيط ليس مُجرَّد خطوات على الورق، بل هو استراتيجيَّة مُتَكامِلة تُمكِّن الأشخاص من تحقيق الأهداف بكفاءة، وبالتالي تحقيق النجاح المُستَدام في مُختَلف المجالات والمَهامّ.
المراجع
[1] courses.lumenlearning.com, The Planning Cycle
[2] study.com, Planning Process Definition, Steps & Examples
[3] academia.edu, Importance of planning cycle
[4] lpcentre.com, 6 Planning principles: keys to your business success
[5] creately.com, What is an Action Plan? Learn with Templates and Examples