جار التحميل...

mosque
partly-cloudy
°C,

من القلم إلى الجهاز اللوحي.. حكاية تعليم تغيّرت أدواته وبقي أثره

من القلم إلى الجهاز اللوحي.. حكاية تعليم تغيّرت أدواته وبقي أثره
download-img
في زحام الحياة وصخب الشاشات تمرّ اللقطات العابرة كأنها نسمة خاطفة لكن بعضها يعلق في الروح كالوشم لا يزول. قبل عام وأنا أتنقل بين صفحات التواصل الاجتماعي استوقفني لقاء عابر، لقطة بسيطة لكنها كانت تحمل في طياتها عمقًا يلامس القلب. كانت هناك امرأة نقية، تجلس بوقار تتحدث بحرقة حنين وامتنان عن رجل علّمها وأبناء جيلها كيف ينتقلون من عصر القلم إلى عصر الجهاز اللوحي.
كانت تلك المرأة هي الوالدة المغفور لها بإذن الله لطيفة الحمادي (أم عصام)، لم أكن أعلم أن القدر يخبئ لي موعداً مع كلماتها هذه بعد عام، حين ترحل إلى جوار ربها قبل أسبوعين تاركةً خلفها فراغًا في مدينة خورفكان وحكاية إنسانية تستحق أن تُروى.

في ذلك الفيديو القصير كانت أم عصام تتحدث بصوت هادئ، لكنه محمّل بالعرفان، كانت تروي كيف أن صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، لم يكتفِ ببناء الصروح العلمية وتأسيس الجامعات، بل نزل بنفسه إلى ميدان التعليم يعلّم كبار السن، ويأخذ بأيديهم إلى عالم التكنولوجيا الحديثة. 

لم تكن كلماتها مجرد شكر عابر، بل كانت اعترافاً بجميل رجل أراد أن لا يترك أحدًا خلف الركب. وختمت أم عصام كلامها بجملة بقيت ترنّ في أذني: "علمنا من القلم إلى الآيباد" جملة بسيطة، لكنها تحمل في طياتها ثورة كاملة في حياة إنسانة عاشت تحولات الزمن، وانتقلت من صفحات الدفاتر إلى شاشات اللمس، ومن حبر القلم إلى ضوء الجهاز اللوحي.

نعم، رحلت تلك الفاضلة، رحلت أم عصام، لكنها لم ترحل وحدها، رحلت ومعها جزء من ذاكرة مدينة خورفكان، ومن ذاكرة كل من عرفها. المدينة التي احتضنتها لعقود، وتوقفت اليوم حبًا وتقديرًا لهذه الإنسانة، لم يكن رحيلها حدثاً عادياً، بل كان وداعاً جماعياً لامرأة تركت أثراً لا يمحى.

في مشهد مهيب، زحام شديد عند الدفن وحتى آخر يوم لتقبل التعازي، كانت المدينة كلها هناك، كان الجميع يتقاسمون الحزن وكأن خورفكان كلها أرادت أن تشيّع أم عصام إلى مثواها الأخير، لم يكن ذلك الزحام مجرد واجب اجتماعي، بل كان تعبيراً عن حب حقيقي وعرفان لامرأة عاشت بسيطة، لكنها تركت بصمة في قلوب من حولها.

من القلم إلى الجهاز اللوحي، هذه ليست مجرد جملة، بل هي حكاية جيل كامل، جيل عاش مرحلة كانت فيها الكلمة تُكتب بحبر القلم على ورق أصفر، ثم وجد نفسه فجأة أمام شاشات مضيئة وأزرار لا صوت لها، جيلٌ ربما شعر بالغربة في عالم يتغير بسرعة، لكن قيادة حكيمة مثّلها صاحب السمو حاكم الشارقة، أرادت أن تمد له يد العون، وأن تقول له: "أنت جزء من هذا الزمن… لا أنت متخلف عنه"، علمهم من القلم إلى الآيباد لم يكتفِ ببناء الجسور بين الأجيال، بل جعل من كبار السن طلاباً من جديد يمسكون بأجهزة لوحية بأيدٍ اعتادت على حمل المصاحف والكتب، ويتعلمون كيف يقرؤون ويبحثون ويتواصلون.

أم عصام، لم تكن مجرد امرأة تعلمت استخدام الآيباد، كانت رمزاً لكل أم وكل أب، وكل جد وجدة وجدوا في هذه المبادرة فرصة جديدة للحياة، تعلموا كيف يرون أحفادهم في شاشة صغيرة، وكيف يرسلون رسائل واتساب، وكيف يقرؤون الأخبار ويتابعون العالم، لم يعد الزمن يمر من حولهم وهم واقفون على الرصيف، بل أصبحوا جزءاً من الركب. وهذا الفضل يعود أولًا وأخيرًا إلى رجل آمن بأن العلم لا يتوقف عند سن، وأن التعليم حق للجميع حتى من تجاوزوا الستين والسبعين والثمانين.

لكن الحكاية لا تتوقف عند التكنولوجيا، إنها حكاية إنسانية بامتياز، حكاية أم ربت أبناءها، وواجهت الحياة بقوة، ثم وجدت في أواخر عمرها متنفسًا جديدًا. كانت تتحدث في ذلك اللقاء العابر بعينين تلمعان وكأنها تقول: "لم أنتهِ بعد، ما زلت أتعلم، ما زلت أحلم"، هذه هي الروح التي تزرعها القيادة الرشيدة في نفوس الناس، روح الأمل، وروح الاستمرار، وروح أن الحياة لا تتوقف عند سن معينة.

واليوم، ونحن نودع أم عصام، نودع امرأة عاشت بكرامة، وتعلمت بإصرار وتركت خلفها درساً، درسٌ في أن الإنسان يمكن أن يتغير، وأن يتكيف، وأن يبدأ من جديد في أي عمر، ودرسٌ في أن القيادة الحقيقية ليست فقط في بناء الجسور والطرق، بل في بناء الإنسان نفسه، علمهم من القلم إلى الآيباد، وهذا ليس إنجازًا تقنيًا فحسب، بل إنجاز حضاري وإنساني.

رحلت أم عصام، لكن صوتها ما زال يتردد في أذني "علمنا من القلم إلى الآيباد"، كلماتها لم تكن مجرد شكر، بل كانت وصية، وصية لنا جميعًا بأن لا نتوقف عن التعلم وألا نتخلى عن كبار السن، وأن نمد لهم أيدينا كما مدها لهم صاحب السمو حاكم الشارقة، رحلت أم عصام، لكنها تركت لنا درسًا في التواضع، وفي العرفان، وفي أن الحب الحقيقي هو أن تمنح الناس فرصة ثانية.

خورفكان اليوم تودع أم عصام، المدينة التي عاشت فيها، وربت أبناءها، وتعرفت على أحفادها، المدينة التي زحامها عند الدفن كان رسالة واضحة: هذه المرأة كانت تستحق كل هذا الحب، كانت أم عصام جزءًا من نسيج هذه المدينة، ومن ذاكرة الناس فيها، رحلت، لكنها ستبقى في قلوب من عرفوها، وفي دعوات من أحبوها.

في النهاية، هذه ليست مجرد قصة عن امرأة، إنها قصة عن وطن، وطن يحترم كبار السن، ويمنحهم فرصة أن يكونوا جزءًا من الحاضر، وطن يقوده رجل يؤمن بأن العلم نور لكل الأعمار، وطن اسمه الإمارات ومدينة اسمها خورفكان، وامرأة اسمها لطيفة الحمادي (أم عصام).

رحمك الله يا أم عصام، رحمك الله يا من تعلمتِ من القلم إلى الآيباد، وعلّمتِنا أن الحياة لا تنتهي إلا حين يتوقف القلب عن النبض، لكنك ما زلتِ تنبضين في ذاكرتنا، وفي كلماتك التي ستظل تتردد: "علمنا من القلم إلى الآيباد". 

نعم، علمكم وأكثر، علّمكم أن الوطن لا يُبنى إلا بالحب، وأن الإنسان لا يُقاس إلا بأثره، وستظلين أثرًا جميلًا في قلب خورفكان، وفي قلب كل من عرفك.
October 05, 2026 / 9:18 AM

الكلمات المفتاحية

أخبار ذات صلة

Rotate For an optimal experience, please
rotate your device to portrait mode.