جار التحميل...
كنت أضع الاحتمال الأول، ثم الثاني، وربما الثالث والرابع، وأترك في ذهني مساحة صغيرة للمفاجآت.
لكن الذي حدث هذه المرة لم يكن الاحتمال الأول، ولا الثاني، ولا الأخير.
بل لم يكن احتمالاً أصلاً!
كان خارج الورقة التي رسمت عليها المسارات، وخارج حدود المعادلة، وخارج ذلك الجزء من العقل الذي يقول لك بثقة: "بناءً على المعطيات، ستكون النتيجة هكذا".
سرت في الطريق مطمئناً.
فكل شيء – بمنطقي – كان يقود إلى الغاية التي أريدها. بذلت ما أستطيع، ورتبت خطواتي، وقرأت المشهد، وحسبت الاحتمالات، وكنت أرى أن ما أتمناه ليس أمنية بعيدة، بل نتيجة طبيعية لما سبقها من مقدمات.
كأن في داخلي آلة حاسبة أدخلت إليها الأرقام، فأعطتني الناتج قبل أن تبدأ التجربة.
ولهذا لم أكن أنتظر النتيجة بقدر ما كنت أنتظر إعلانها!
ثم وصلت...
ولم أجد ما حسبته.
كانت النتيجة مختلفة تماماً.
هنا لم تكن الصدمة في أنني لم أحصل على ما أريد فحسب، بل كانت الصدمة الأكبر أن منهجيتي نفسها لم تستطع أن تشرح لي لماذا لم أحصل عليه.
عدت إلى المعطيات.
راجعت الخطوات.
فتشت في التفاصيل.
أعدت الحساب مرة، ومرتين، وعشرات المرات.
وسألت نفسي: أين الخطأ؟
كلما حاولت أن أجد جواباً في فضاء المنطق، ولدت من الجواب أسئلة جديدة. وكلما أعدت ترتيب المعادلة، عادت إليّ النتيجة التي كنت أتوقعها، بينما الواقع أمامي يقول شيئًا آخر.
وهنا يبدأ الإرهاق الحقيقي.
ليس إرهاق الخسارة وحدها، وإنما إرهاق العقل عندما يحاول إجبار الواقع على أن يطابق حساباته.
وفي ذلك المكان الذي تلقيت فيه النتيجة، جاءني رجل من أهله، يعرف تفاصيله، ومرت أمامه على مر السنين وجوه كثيرة ربما حمل بعضها الدهشة نفسها التي كانت على وجهي.
كان يرى شيئاً لم أكن أراه.
ليس لأنه يعرف الغيب، وإنما لأن خبرته جعلته يعرف أن الحياة لا تقرأ دائماً بالطريقة التي نكتب بها نحن مقدماتها.
قلت له ما عندي، وشرحت له كيف كنت أرى الأمور، وكيف بنيت توقعاتي، وكيف قادتني المعطيات – في نظري – إلى نتيجة لم تقع.
استمع إليّ.
ثم قال عبارة قصيرة جدًا:
"لا تتعامل مع الموقف بمنهجية".
توقفت عندها.
كيف لا أتعامل بمنهجية؟
أليست المنهجية هي التي تعلمنا أن نفكر قبل أن نقرر؟ وأن ندرس قبل أن نقدم؟ وأن نربط النتائج بأسبابها؟
لكنني بعد هدوء الصدمة فهمت أنه لم يكن يدعوني إلى الفوضى، ولم يكن يقول لي: لا تخطط.
كان يقول لي شيئاً أعمق:
لا تجعل منهجيتك أكبر من حجمها.
خطط، ولكن لا تعتقد أن خطتك أحاطت بكل شيء.
احسب، ولكن لا تظن أن الأرقام أحاطت بالعوامل كلها.
اقرأ المشهد، ولكن تذكّر أن في المشهد زوايا عمياء لا تراها.
خذ بالأسباب، ولكن لا تمنح الأسباب سلطة ليست لها.
هنا فقط بدأت أرى موضع الخطأ.
لم يكن الخطأ أنني خططت.
الخطأ أنني اقتربت – من حيث لا أشعر – من اعتبار النتيجة حقاً مكتسباًُ لمجرد أنني أحسنت المقدمات.
هناك فرق كبير بين أن تقول:
"بذلت الأسباب، وأرجو هذه النتيجة من الله".
وبين أن يستقر في داخلك:
"بذلت الأسباب، إذن يجب أن أحصل على هذه النتيجة".
الأولى رجاء وتوكل.
والثانية معادلة بشرية قد تصطدم بما لم نحسب له حساباً.
وعندها حضرت في ذهني آية عظيمة من كتاب الله:
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ القصص: 56.
إذا كان رسول الله ﷺ، مع عظيم محبته وحرصه، لا يملك هداية القلوب، فكيف بنا نحن حين نتصور أن مجرد رغبتنا الصادقة، أو حسن تدبيرنا، أو قوة أسبابنا، تجعل ما نحب واجب الوقوع؟
هناك أشياء نملك أن نسعى إليها، ولكن لا نملك أن نكتب نهايتها.
وهنا تكمن حقيقة التوكل.
التوكل ليس أن تلغي عقلك، ولا أن تهجر التخطيط، ولا أن تجلس منتظراً ما كُتب لك دون عمل.
بل أن تستخدم عقلك كاملاً، وتأخذ بالأسباب كاملة، وتبذل جهدك كاملاً، ثم لا تجعل قلبك متعلقًا بشيء منها تعلقه بالله.
نخطط، نعم.
وندرس، ونستشير، ونحسب، ونبني السيناريوهات، ونختار أفضل الطرق.
لكننا نفعل كل ذلك، ونحن نعرف أن هذه أسباب، وليست أرباباً للنتائج.
فالسبب لا يستقل بصناعة القدر.
والمنهجية لا تكشف الغيب.
والذكاء لا يحيط بالمتغيرات جميعها.
والخبرة – مهما اتسعت – تبقى خبرة بشرية محدودة.
أما تدبير الله، ففوق ما نرى ونعلم ونحسب.
ولهذا ربما يكون من أشد ما يتعب الإنسان بعد خيبة ما، أن يدخل في متاهة فلسفية طويلة بحثًا عن تفسير لكل شيء:
لماذا أنا؟
لماذا الآن؟
لماذا بعد كل هذا الجهد؟
ماذا لو فعلت كذا؟
وماذا لو لم أفعل كذا؟
وقد تكون مراجعة النفس مطلوبة، والتعلم من التجربة مطلوباً، وتصحيح الخطأ واجباً متى ظهر؛ لكن هناك نقطة يجب أن يتوقف عندها الاستنزاف.
نقطة تقول فيها لنفسك:
لقد فعلت ما أستطيع، وما وقع فقد وقع بعلم الله وقدره، ولله حكمة قد أعلم منها شيئاً وقد تخفى عني أشياء.
وهنا يهدأ القلب.
ليس لأنه وجد تفسيراً بشرياً لكل ما حدث، بل لأنه عاد إلى الحقيقة الكبرى التي كانت غائبة وسط ضجيج الحسابات:
إننا مأمورون بالسعي، ولسنا مالكين للنتائج.
ومنذ تلك اللحظة تغيّرت عندي عبارة الرجل.
"لا تتعامل مع الموقف بمنهجية" لم تعد عندي دعوة إلى ترك المنهجية.
بل أصبحت تحذيراً من عبادة المنهجية، دون أن نشعر؛ من أن نثق بالحساب حتى ننسى محدودية الحاسب، وأن نطمئن للخطة حتى نتوهم أنها ضمان، وأن نتمسك بأمنية حتى تتحول في داخلنا إلى استحقاق ننتظر من الحياة أن تسلمه إلينا.
فليس كل ما أحبه يجب أن يقع كما يحب فؤادي.
وليس كل ما سعيت إليه يصبح حقاً لي لمجرد أنني سعيت.
وليس كل باب طرقتُه بأسبابي يجب أن يُفتح.
قد أبذل السبب، ويأتي المقدور بخلاف ما أريد.
وقد يُغلق أمامي باب كنت أراه نهاية الطريق، ثم تكشف الأيام أن خلفه ما لم أكن أراه.
وقد لا تكشف الأيام شيئاً أصلاً، ويبقى عليّ أن أؤمن بأن علمي محدود، وأن علم الله محيط.
لهذا سأظل أخطط.
وسأظل أدرس خطواتي.
وسأظل أضع الاحتمالات، وأستشير أهل الخبرة وابذل الأسباب.
ولكنني تعلمت شيئًا لن أنساه:
أن أضع المنهجية في عقلي، لا في موضع التوكل من قلبي.
فالعقل يحسب...
والإنسان يسعى...
والقلب يتوكل...
والله يقدّر.
وربما كانت بعض الصدمات التي لا نجد لها مكانًا في حساباتنا، ليست دعوة لأن نتوقف عن التفكير، بل رسالة تعيد التفكير إلى حجمه الحقيقي.
فنحن لا نملك إلا أن نطرق الباب.
أما أي باب يُفتح، ومتى يُفتح، وما الذي ينتظرنا خلفه...
فتلك ليست معادلتنا.
وتلك هي الطمأنينة التي لا تمنحها آلة حاسبة.