جار التحميل...

mosque
partly-cloudy
°C,

وداعًا أيتها البصمة

وداعًا أيتها البصمة
download-img
بعد مرور عام كامل على تقاعدي، وجدتُ نفسي مضطرًا لزيارة جهة عملي السابقة لقضاء معاملة خاصة بي.. كان ذلك اليوم مشمسًا، لكنّ في صدري كان هناك شيءٌ من الغيم.. وقفتُ أمام المبنى الذي أمضيتُ فيه زهرة عمري، وتأملتُ واجهته التي لم تتغير كثيرًا، لكنّ شيئًا فيّ كان قد تغيّر.
دفعتُ الباب الزجاجي، فإذا بي أسمع ذلك الصمت الذي اعتدتُ عليه في لحظات الدخول والانصراف.. صمتٌ له وقعٌ خاص لا يشبه أي صمت آخر، إنه الصمت الذي يسبق بداية يوم عمل، أو ذاك الذي يرافق نهاية يوم طويل. 
 
مشيتُ في الممر الطويل ، ذلك الممر الذي لطالما التقيتُ فيه بالزملاء صباح كل يوم.. هنا كان فلان يبادلني التحية، وهناك كانت فلانة تسألني عن أخبار الأبناء، فالممرّ ذاته والجدران ذاتها، لكنّ الأصوات التي كانت تملؤه قد غادرت أو ربما أنا الذي غادر.
 
وفي نهاية الممر كان مكتبي.. توقفتُ لحظة، جلستْ فيه الآن امرأة شابة لا أعرفها منهمكة في أوراقها تحمل همّها اليومي كما كنتُ أحمله من زمن. . لم أشأ أن أقاطعها فمررتُ بصمت، وأنا أشعر أنني أرى نفسي فيها .. في جلستها .. في انحناءة رأسها.. في طريقة إمساكها بالقلم، مرآة الزمن عكست لي ما كنت عليه وما لم أعد أكون.
 
وفي قاعة المراجعين التقيتُ بأحد زملائي القدامى، وما إن رآني حتى أشرق وجهه وتقدم نحوي بخطوات حارة، وصافحني بحرارة وسألني عن أحوالي ..عن صحتي ..عن أولادي .. دقائق معدودة ثم اعتذر بلطف: "المعذرة المراجعون في انتظاري"، وانصرف ليتابع عمله بالضبط كما كنت أفعل من زمن .. رأيته يستقبل الناس ينصت لهم، يوقع الأوراق، يبتسم، يتنهد، يعيد الأوراق، كان يعيش يومي الذي عشته ألف مرة بينما أنا أقف على الضفة الأخرى أتفرج.
 
وأنا جالس على مقعد الانتظار أبحرتُ في ذكرياتي رغم صخب المراجعين تذكرتُ أول يوم لي في هذا المكان، تذكرتُ زملاء غادروني إلى الأبد.. وتذكرتُ ضحكاتنا في الاستراحة وتذمرنا في نهاية الشهر وحماسنا في بداية المشاريع، ودموعنا في لحظات الوداع.. تذكرتُ الأيام التي دخلتُ فيها مريضًا والأيام التي خرجتُ فيها منتصرًا والأيام التي مرّت بلا أن يُلاحظ أحد أنني كنت هناك.
 
وحينما انتهيتُ من معاملتي وقفتُ لأغادر.. مشيتُ نحو الباب، لكن دون أن أشعر  اتجهت قدميّ إلى جهاز البصمة ذلك الجهاز الصغير الذي لطالما وضعتُ إصبعي عليه مرتين كل يوم صباحًا ومساءً.. سنوات وسنوات .. بصمة تلو بصمة .. حتى صار الجهاز يعرفني أكثر من بعض البشر.. وقفتُ أمامه ورفعتُ يدي تلقائيًا وكأن شيئًا في جسدي ما زال مبرمجًا على الطاعة .. على الانتماء، على ذلك الطقس اليومي المقدس.
 
ثم انتبهت، تذكرتُ أنني متقاعد.. أنني لم أعد موظفًا هنا.. أنني لم أعد مطالبًا بالبصمة ولا بالدوام، ولا بالتقارير. رفعتُ يدي ونظرتُ إليها لحظة، ثم أنزلتها ببطء.. رفعتُها لا لأضعها على الجهاز، بل لأودّعها ..وداعًا أيتها البصمة التي كانت أول ما يلمس المكان في الصباح وآخر ما يغادره في المساء، وداعًا أيتها البصمة التي كانت شاهدة على تعبي، وعلى إخلاصي وعلى سنوات من عمري لن تعود.
 
رفعتُ يدي عاليًا، لا احتجاجًا ولا حزنًا، بل تحية أخيرة.. تحية لمن كنت ولمن صاروا مكاني ولمن سيأتون من بعدي. ثم خرجتُ من المبنى، وأنا أشعر أنني ودّعتُ شيئًا أكثر من وظيفة.. ودّعتُ فصلًا كاملًا من حياتي، وأغلقتُ صفحة كانت مكتوبة ببصمات لا تُمحى.
 
وخارج المبنى.. كانت الشمس ما تزال مشرقة، والدنيا ما تزال تدور تنفستُ بعمق .. وابتسمتُ. نعم، أنا متقاعد، لكنّ بصمتي ستبقى هناك في جدران الممرات، وفي ذاكرة الزملاء، وفي سجل الأيام، وداعًا أيتها البصمة .. ليس لأنني نسيتك، بل لأنني أحببتك أكثر من أن أراك بلا صاحب.
September 14, 2026 / 9:37 AM

الكلمات المفتاحية

أخبار ذات صلة

Rotate For an optimal experience, please
rotate your device to portrait mode.