جار التحميل...

mosque
partly-cloudy
°C,

كنت نائماً

كنت نائماً
download-img
كنت نائماً... قالها بصوتٍ مبحوح ودمعةٍ حبيسةٍ في عينيه المتعبتين: "جاءني ابن ابني صباحاً، طفل لم يتجاوز الثالثة من عمره، يقف على أطراف أصابعه ليطال وجنتي بقبلةٍ صغيرة، سألته بحنان: أين كنت يا حبيبي؟ فأجاب بحروفٍ متعثرة تبحث عن طريقها بين شفتين صغيرتين: كنت نائماً..."

توقّف الأب ليلتقط أنفاسه، وكأنّ الكلمات تخرج من صدره كالجمرات، ثم تابع بصوتٍ متهدّج: "كنت نائماً... قالها ببراءةٍ لا تعرف أنّ هذا "النوم" لم يكن نوماً بل كان هروباً.. هروباً من بيتٍ لم يعد بيتاً بل ساحة معركة باردة.. هروباً من سريرٍ لم يعد سريراً بل محطة عابرة يتنقل بينها كالضيف الثقيل الذي لا يُريد أحدٌ استضافته."

كم تقطع قلبي عليه وعلى أمثاله من الأطفال الذين يدفعون ثمن خلافات لم يرتكبوها.. أطفالٌ يحفظون الصمت بدل أن يحفظوا الأناشيد.. أطفالٌ يتعلمون العدّ على الأصابع لا ليعدّوا سنواتهم بل ليعدّوا الليالي التي ناموا فيها بعيداً عن أحضان أمهاتهم أو بعيداً عن صوت آبائهم.

الطفل الذي "نام" لا يعلم أن والديه متخاصمان.. لا يعلم أن خلافاتهما قد تكون تافهة أحياناً لكنها بالنسبة له جبال من القلق.. هو فقط ينام حيث يُنام ..يأكل مما يُقدَّم .. يبتسم عندما تسمح له الظروف، إنه طفلٌ تحوّل إلى "ضيف" في حياة والديه لا مكان ثابت له ولا صوت مسموع.

هذا الطفل يتقبّل وذاك لا يتقبّل.. وكأنّ الطفولة أصبحت ساحة اختبار لطاقة التحمل.. هذا الطفل لا يملك خياراً في حين يمتلك الكبار كل الخيارات... ومع ذلك لا يختارون سوى العناد.

جرح الزمن ينزف كل حين.. طفلٌ في الثالثة من عمره يحمل جرحاً لا يرى.. جرح العناد الذي يُصرّ فيه كل طرف على موقفه.. جرح عدم التنازلات وكأنّ التنازل ضعف والضعف عيب.. جرح الاستهتار بمشاعر طفلٍ صغير يرى العالم من خلال عيونٍ لا تفهم لماذا ينام هنا مرة وهناك مرة؟

كلٌّ يدّعي الولاية... ويظن أنّ الولاية مأكل ومشرب لكن الولاية الحقيقية هي الأمان.. هي أن يشعر الطفل أن له بيتاً واحداً وقلباً واحداً وحضناً لا ينقسم.. الولاية أن تنام عيناه مطمئنة لا أن يفتح عينيه كل صباح على عالمٍ مختلف.

جرح الجهل وعدم التصرف السليم.. جرح الكبار الذين يظنون أن الطفل لا يفهم ولا يرى ولا يتألم، لكنه يفهم... ويرى... ويتألم بصمت، يصمت لأنه لا يملك كلماتٍ يشرح بها ما يشعر.. يصمت لأنّه تعلم أن الصمت أأمن من السؤال.

ماذا ستقولون لذاك الطفل حين يستيقظ من طفولته؟ حين يكبر قليلاً ويرى نفسه مشتتاً بين عنوانين.. بين هويتين.. بين حبّين مقطوعين.. ماذا ستقولون له حين يسألكم: لماذا كنت نائماً؟ لماذا لم تكونوا مستيقظين على قلبي؟

ماذا ستقولون له حين يدرك أن "كنت نائماً" لم تكن إجابة بريئة، بل كانت غطاءً لواقعٍ مرير؟

أيها الآباء... أيها الأمهات... أنتم لا تربون أطفالاً فقط بل تصنعون ذكريات، فإما أن تكون ذكرى دافئة تحملها قلوبهم إلى الأبد، وإما أن تكون جرحاً ينزف كل حين.

تنازلوا... ليس ضعفاً، بل قوة.. اصطلحوا... ليس خسارة بل انتصاراً للطفولة.. فطفلكم الذي "نام" اليوم سيستيقظ غداً فماذا سيجد حين يستيقظ؟

September 28, 2026 / 9:18 AM

الكلمات المفتاحية

أخبار ذات صلة

Rotate For an optimal experience, please
rotate your device to portrait mode.