جار التحميل...

mosque
partly-cloudy
°C,

مرسوم الخير .. حكاية تبدأ قبل الفجر

14 سبتمبر 2026 / 10:28 AM
مرسوم الخير ..  حكاية تبدأ قبل الفجر
download-img
ذات ليلة، راودني سؤالٌ غريب: لو أن للخير موعداً يسبق وصوله، فأين يقضي ليلته الأخيرة؟ أفي دفاتر الأحلام ينام؟ أم بين سطور فكرةٍ لم تولد بعد؟ أم يظل وعداً جميلاً يهيِّئه الله في الخفاء، حتى يأذن له أن يُشرق مع أول خيطٍ للفجر، فينساب إلى القلوب طمأنينةً، وإلى الأيام بشائرَ لا تُرى إلا حين تكتمل؟
ومنذ تلك الليلة، كلما رأيت حلماً يقترب من التحقّق، أو باباً يُفتح للأمل بعد طول انتظار، عاد إليَّ ذلك السؤال من جديد؛ فالأشياء العظيمة لا تبدأ لحظة ظهورها، كما أن الفجر لا يبدأ حين تراه العيون على حافة الأفق، ثَمَّة لحظةٌ خفية تسبق النور، وساعةٌ صامتة تسبق الأثر، ورحلةٌ طويلة لا يراها أحد، قبل أن يستيقظ الناس ذات صباحٍ على ثمارها.
 
وفي الشارقة، يُدرك الجميع هذه الحقيقة جيداً؛ فالخير لا يأتي مصادفةً، ووراء كل أثرٍ جميل فكرةٌ سهرت قبل الجميع، وتأمَّلَت المستقبل، وانشَغلَت بأحلام الناس وهم نائمون، فكرةٌ لا تكتفي بملاحقة الحاضر، بل تمضي إلى الغد، تستكشف ملامحه، وتبحث عن أجمل احتمالاته، ولذلك، حين أرادوا أن يمنحوا هذا المعنى اسماً يليق به، لم يجدوا أجمل من أن يسمّوه: مرسوم الخير.
 
لم يكن مرسوم الخير شخصاً، بل كان حكايةَ رؤيةٍ، ورسالةَ عطاءٍ، وفكرةً تتحول إلى واقعٍ، كان أشبه بخيط الضوء الأول الذي يولد في رحم الفجر؛ يبدأ خاطراً صغيراً، ثم ينمو في هدوءٍ، حتى يصبح مشروعاً يحتضن حلماً، أو مبادرةً تفتح نافذةً للأمل، أو إنجازاً يترك في الأيام أثراً يشبه الدعاء المستجاب.
 
ومع مرور الأيام والأعوام، نَمَت الحكاية وتعاظم أثرها، وكبرت الأحلام، واتسعت دوائر المعرفة، وتحولت الأفكار إلى واقعٍ لطيف يلامس حياة الناس، ومع ذلك، ظل مرسوم الخير محتفظاً بسرِّ عطائه الجميل.
 
غير أن أجمل ما في هذه الحكاية أنَّ مراحلها الأولى تبقى بعيدةً عن الأعين؛ فكما لا يرى أحدٌ الجذور، وهي تمتد في أعماق الأرض، كذلك يظل مرسوم الخير خفيًّا، وهو يهيئ أسباب الخير والعطاء، إلى أن يرى الجميع ثماره حين تزهر في حياة الناس، وتمنحه يقيناً بأن الغد سيكون أجمل من الأمس.
 
وفي آخر الليل، حين يهدأ كلُّ شيء، وتغفو الشارقة على وسادةٍ من السكينة والطمأنينة، يبدو وكأن مرسوم الخير يفتح فصلاً جديداً من حكايته الجميلة؛ ففي هدوء الفجر تتجه الأنظار إلى أحلام الناس البسيطة التي يخفونها في أعماق قلوبهم: أمنيةُ طفلٍ يتطلع إلى مستقبلٍ أجمل، وفرحةُ أمٍّ تنتظر الطمأنينة لأبنائها، وطموحُ شابٍّ يُحلّق بخياله نحو آفاقٍ أوسع، ودعوةُ كبيرِ سنٍّ يرجو عونًا يخففُ عنه أعباء العمر، وسنداً يتكئ عليه كلما أثقلت السنين انحناءةَ ظهره.
 
ثم تخرج تلك الأمنياتُ بجرّةِ قلمٍ، بعد أن يُهذَّبَ مَسارُها وتكتمل ملامحُها، فتتسلّل برفقٍ إلى صفحة الصباح؛ لتغدو بعضُها أفراحاً تُعاش، ويغدو بعضُها الآخر دروباً جديدةً إلى الأمل، وكأنّ الشارقةَ تستقبلُ كلَّ صباحٍ حكايةً مضيئةً نُسجت بخيوط الحلم قبل أن تُكتَب بالحبر، ورُسمت بمحبة الإنسان قبل أن تتجسّد واقعاً جميلاً يلامس حياتهم.
 
وهكذا، لا تنتهي الحكاية؛ فمع كلِّ شروقِ شمسٍ، تستيقظ الشارقةُ على بشارةٍ جديدة، وكأنَّ مرسومَ الخير قد أمضى الليلَ كلَّه يرسم على صفحةِ الغد ملامحَ فرحٍ آخر، ويغرسُ في دروبه بذورَ أملٍ متجدِّدة، ثم يتركها لتنمو في هدوءٍ، وتتفتَّح في قلوب الناس كما تتفتَّح الأزهارُ بعد المطر، فتغدو واقعاً يفيض نوراً وطمأنينةً، ويرسم للمستقبل وجهاً أكثر إشراقاً، لتظلَّ الشارقةُ كلَّ صباحٍ على موعدٍ مع سعادةٍ جديدة.
September 14, 2026 / 10:28 AM

الكلمات المفتاحية

أخبار ذات صلة

Rotate For an optimal experience, please
rotate your device to portrait mode.