لكن التسامح لا يعني أن الخطأ لم يكن موجودًا، ولا يعني أن مشاعر الإنسان لا قيمة لها، فهناك فرق كبير بين أن نعفو عن الإساءة، وبين أن نتجاهل أثرها، وقد تكون كلمة اعتذار بسيطة كفيلة بأن تعيد إلى النفس شيئًا من الطمأنينة، وتغلق بابًا كان يمكن أن يبقى مفتوحًا على الألم.
وحين يلجأ الإنسان إلى المسؤول، فإنه لا يفعل ذلك دائمًا رغبة في العقوبة أو الانتقام، بل قد يكون قصده الإصلاح، وحماية العلاقة، ومنع تكرار الخطأ، وقد يكون همه الحقيقي ألا يتكرر الموقف مع شخص آخر، لأن معالجة الخطأ في بدايته أرحم من أن يكبر أثره مع الأيام.
وهنا تظهر مسؤولية من يتولى أمر الناس، فالمسؤول الناجح ليس من يعاقب فقط، وإنما من يعرف متى ينصح، ومتى يصلح، ومتى يجبر خاطرًا، ومتى يقول لمن أخطأ: لقد أخطأت، والاعتذار لا ينقص من قدرك، بل يزيدك احترامًا.
وقد لا يحتاج صاحب الحق إلى أكثر من موقف بسيط يشعره بأن ما حدث لم يمر دون اهتمام، ربما اتصال قصير، أو كلمة طيبة، أو توجيه هادئ للمخطئ بأن يصحح ما بدر منه، أشياء تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنها كبيرة في أثرها على النفوس.
إن جبر الخاطر ليس مجاملة عابرة، بل خلق رفيع ومسؤولية إنسانية، فالإنسان قد ينسى تفاصيل كثيرة، لكنه لا ينسى من وقف إلى جانبه عندما انكسر خاطره، ولا ينسى من شعر بألمه، دون أن يطالبه بشرح طويل.
وفي المقابل، ينبغي لمن وقع عليه الخطأ ألا يجعل من مظلمته مشروعًا للانتقام، فالقوة الحقيقية ليست في أن نرد الإساءة بإساءة، وإنما في أن نحفظ حقنا دون أن نفقد أخلاقنا، ومن أجمل صور القوة أن يستطيع الإنسان أن يقول: "أنا متألم، لكنني لا أريد أن أؤذي أحدًا".
كما أن من أخطأ بحق غيره ينبغي ألا يرى الاعتذار ضعفًا أو انتقاصًا من مكانته، فالاعتذار شجاعة، والرجوع عن الخطأ فضيلة، وتصحيح الموقف دليل على نضج الإنسان، وقد يكون اعتذار واحد سببًا في إنهاء جرح كان يمكن أن يستمر سنوات.
ولعل من المهم أن ندرك أن التغاضي عن الخطأ لا ينبغي أن يكون سببًا لتمادي المخطئ، فالتسامح إذا لم يصاحبه وعي قد يُفهم أحيانًا على أنه قبول، وقد يتكرر الخطأ مع الآخرين، لذلك فإن معالجة الخطأ بحكمة لا تتعارض مع التسامح، بل قد تكون من أجمل صور الرحمة؛ لأنك حين تمنع إنسانًا من الاستمرار في الخطأ، فإنك تحميه وتحمي غيره في الوقت نفسه .
ولأصحاب المسؤولية نقول: "إن الناس لا يبحثون دائمًا عن العقوبة، وإنما يبحثون عن الإنصاف، ولا ينتظرون دائمًا إجراءات كبيرة، وإنما يريدون أن يشعروا بأن مشاعرهم محل تقدير، وربما كان عدم الرد، أو عدم المتابعة، أشد وقعًا على النفس من الخطأ نفسه؛ لأن الإنسان حين يرفع أمره إلى مسؤول يضع ثقته في حكمته وعدله".
وللناس نقول: "لا تجعلوا التسامح بابًا لإهدار كرامتكم، ولا تجعلوا المطالبة بالحق طريقًا إلى الخصومة. احتفظوا بقلوبكم نقية، وتحدثوا بأدب، واتركوا مساحة للصلح والإصلاح، فمن حق الإنسان أن يحفظ كرامته، ومن جمال الأخلاق أن يحفظ كرامة الآخرين أيضًا".
وفي النهاية، ليست الحياة ميدانًا لإثبات من انتصر ومن خسر، نحن جميعًا نخطئ، ونحتاج إلى من يعفو عنا، ونحتاج إلى من ينبهنا حين نخطئ، ونحتاج أحيانًا إلى كلمة واحدة تعيد إلى قلوبنا شيئًا من السلام.
فليكن التسامح خُلقًا، لا ضعفًا؛ وليكن الاعتذار شجاعة، لا انكسارًا؛ وليكن المسؤول جابرًا للخواطر، لا مجرد متابع للإجراءات؛ وليكن صاحب الحق حريصًا على الإصلاح، لا على الانتقام.
فكم من خطأ كان يمكن أن ينتهي بكلمة، وكم من خاطر كان يمكن جبره بموقف، وكم من إنسان كان يحتاج فقط أن يشعر بأن أحدًا قد اهتم.
وما أجمل أن نغادر المواقف الصعبة، وقد حفظنا حقوقنا، ولم نخسر إنسانيتنا.