كانت تلك الساعات الأربع بمثابة هدنة مع الحياة.. تأملتُ ..وفكّرتُ.. وحلمتُ.. وربما نسيتُ للحظات أن هناك عالماً ينتظرني على الجانب الآخر كانت السماء صافية والهدوء يملأ روحي، وشعرتُ بأنني أعيش اللحظة بصدق لأول مرة منذ زمن طويل.
وحينما هبطت الطائرة، ولمستُ قدماي أرض المطار ألغيتُ وضع الطيران، وهنا... بدأت الحياة تعود إليّ على دفعات توالت الإشعارات كسيلٍ جارف كأن العالم كان يختزن أنفاسه طوال تلك الساعات ليفتح صندوق أخباره كاملاً في لحظة واحدة.
هنا رسائل إيجابية.. تهنئات.. ودعوات.. وأخبار سعيدة.. و هناك رسائل سلبية.. ومشاكل.. وخلافات.. وأخبار مؤلمة، وبين كل ذلك كانت هناك رسالة أوجعت قلبي: "الأصدقاء ينعون فلاناً"، وفلاناً! ذلك الشخص الذي التقيتُ به بالأمس فقط ضحكنا معاً، وتحدثنا عن الحياة والأحلام وودّعته بابتسامة و"إلى اللقاء قريباً" وها هو الرحيل يأتي دون استئذان، دون سابق إنذار دون أن يمنحني فرصة لوداع حقيقي.
تجمّدتُ في مكاني، وقلتُ في نفسي: "يا سبحان الخالق! وضعتُ حوالي في وضع الطيران لأربع ساعات فقط، وتغيّرت أمور كثيرة..أناس رحلوا.. وعلاقات تغيّرت ..وأخبار تبدّلت ..وحياة استمرت بلا انتظار، أربع ساعات فقط كانت كافية لتذكّرني بهشاشة هذا العالم وسرعة تقلّباته.
وهنا سألتُ نفسي سؤالاً لم يفارقني منذ تلك اللحظة: هل نحن بحاجة إلى "وضع الطيران" في حياتنا اليومية؟
لا أقصد أن نختفي عن العالم ولا أن ننقطع عمن نحب ولا أن نتهرّب من مسؤولياتنا، لكنني أقصد ذلك الوضع الذي نضعه في علاقاتنا لتصفو ..وفي قلوبنا لتستريح.. وفي عقولنا لتفكّر، وضع الطيران الذي يمنحنا فرصة للصمت قبل أن نتكلم وللتفكير قبل أن نحكم، وللانتظار قبل أن نندفع.
كم من علاقة انتهت؛ لأن أحدهم لم يضع هاتفه على "وضع الطيران" قبل أن يرسل رسالة غاضبة؟ وكم من صداقة تصدّعت؛ لأننا لم نمنح أنفسنا وقتاً كافياً لنفهم الطرف الآخر؟ وكم من قرار خاطئ اتخذناه؛ لأننا لم نبتعد قليلاً عن الضجيج لنسمع صوت عقلنا؟
نحن نعيش في زمنٍ صار فيه الصمت ترفاً.. والهدوء نعمة نادرة.. والتفكير العميق رفاهية لا يجدها إلا من يملك الشجاعة ليضغط على زر "وضع الطيران" الداخلي.
وضع الطيران في علاقاتنا يعني أن نتوقف عن ردود الفعل الفورية.. أن نصمت حين يشتعل الغضب.. أن نمنح أنفسنا فرصة لنرى الصورة كاملة قبل أن نصدر أحكامنا.
وضع الطيران في قلوبنا يعني أن نبتعد عن الضجيج الخارجي لنسمع ما يهمس به قلبنا..أن نغلق أبواب القلق والتوتر، ونفتح نوافذ السكينة والرضا.
وضع الطيران في عقولنا يعني أن نتوقف عن استهلاك كل ما يمرّ أمامنا.. أن نفرّغ أنفسنا من الأفكار المتراكمة.. أن نعيد ترتيب أولوياتنا بعيداً عن ضغط اللحظة.
لكن الأهم.. وضع الطيران لا يعني الانقطاع الأبدي، فكما أن الطائرة تعود إلى التواصل مع الأرض بعد الهبوط، علينا أن نعود للتواصل مع من نحب، مع الحياة، مع الواقع، والفرق أننا نعود ونحن أصفى، وأهدأ، وأكثر وعياً.
لقد تعلمتُ من تلك الرحلة درساً لن أنساه: أن الحياة أقصر من أن نضيعها في الضجيج ..والعلاقات أثمن من أن نكسرها بالاندفاع.. واللحظات أجمل من أن نفقدها ونحن غارقون في شاشاتنا.
فلنمنح أنفسنا "وضع طيران" كل يوم، ولو لدقائق نغلق الهاتف.. ونغلق الضجيج ..ونغلق القلق.. ونفتح القلب.. ونفتح السماء.. ونفتح الحياة على مصراعيها.
فربما حين نعود نجد أن بعض الأمور قد تغيّرت.. لكننا نحن أيضاً قد تغيّرنا وإلى الأفضل.
رحم الله من رحل ..وعزّى قلوب من فقد.. وعلّمنا أن نعيش كل لحظة وكأنها الأخيرة.. وأن نحب، ونغفر، ونسامح، قبل أن يأتي "وضع الطيران" الأخير الذي لا رجعة بعده.