جار التحميل...

mosque
partly-cloudy
°C,

الأسرة المتناقصة.. حين فهمتُ المصطلح بقلبٍ آخر

الأسرة المتناقصة.. حين فهمتُ المصطلح بقلبٍ آخر
download-img
منذ سنوات، مرّت أمامي عبارة لم أتوقف عندها طويلًا: "الأسرة المتناقصة" كنت حينها أخوض تجربة في مجال العمل التشريعي في المجلس الاستشاري، وأتعامل مع ملفات الدوائر المعنية بالشأن الاجتماعي والإسكاني، وأناقش قضايا السكن الملائم للأسرة، وحجمها، وعدد أفرادها، واحتياجاتها التي تتغير مع مرور السنوات.
وفي المقابل، هناك مصطلح آخر: "الأسرة المتناقصة"، كنت أفهمه جيدًا… أو هكذا كنت أظن، أفهمه لغةً، وأفهمه اصطلاحًا، وأتعامل معه عمليًا وعلميًا، كما تُقرأ المصطلحات في الملفات والتشريعات: أسرة كان عدد أفرادها أكبر، ثم أصبح أقل، رقم ينقص من رقم.

 فإذا كان البيت يضم 7 أشخاص وأصبحوا 6، فقد تناقص عدد الأسرة، بهذه البساطة كنت أقرأها، وبهذا الجمود الذي تفرضه طبيعة العمل كنت أتعامل معها، دون أن يخطر في بالي يومًا أن وراء ذلك الرقم الناقص شيئًا لا تكتبه الجداول، ولا توضحه الإحصاءات، ولا تستطيع مادة في قانون أن تصفه.

مرت السنوات…وبقي المصطلح في مكان ما من الذاكرة، حتى جاء اليوم الذي فقدتُ فيه أختي الغالية، رحمها الله.

حينها فقط… عاد إليّ ذلك المصطلح القديم، "الأسرة المتناقصة"، قرأته هذه المرة بطريقة مختلفة تمامًا، لم أعد أراه تعريفًا اجتماعيًا، ولا توصيفًا إسكانياً، ولا رقمًا يُبنى عليه حجم المسكن واحتياجات الأسرة.

رأيته بيتًا كان فيه إنسان… ثم غاب.
رأيته مقعدًا كان له صاحبه.
وصوتًا اعتادت عليه الأسرة ثم افتقدته.
وضحكةً كانت تمر عادية في أيامنا، حتى أصبحت تذكّرها شيئًا ثمينًا.

وعندها أدركت أنني طوال تلك السنوات كنت أعرف معنى "التناقص"، لكنني لم أكن أعرف وجعه، وكنت أعرف أن الأسرة المتناقصة يقل عدد أفرادها، ولم أكن أعرف أن وراء كل رقم يسقط من تعدادها قلبًا يفتقد، وذاكرةً تستعيد، ومكانًا يبقى حاضرًا وإن غاب صاحبه.

وأدركت شيئًا آخر…أن آلاف الأسر التي مرّت علينا في الملفات والإحصاءات تحت وصف "أسرة متناقصة"، لم تكن مجرد حالات اجتماعية، كانت وراء كل واحدة منها حكاية.

هذا فقد أبًا كان سند البيت، وهذه فقدت. أمًا كان حضنها يجمع الأسرة، وهؤلاء فقدوا أخًا أو أختًا كانت لهم جزءًا من العمر والذكريات، وهناك من ودّع ابنًا أو ابنة، فصار النقص في العدد أكبر من أن تصفه الأرقام، فكل أسرة متناقصة تحمل وجعًا لا يظهر في خانة "عدد أفراد الأسرة".

واليوم، وبعد أن أصبحت أسرتنا أقل عددًا بغياب أختي، فهمت درسًا لم تعلمنيه التشريعات، بل علّمتنيه الحياة:

بعض المصطلحات نفهمها بالعقل سنوات، ثم يأتي يوم نفهمها فيه بالقلب.

ومع ذلك، فإن أجمل ما يسكّن هذا الوجع أننا مسلمون، نؤمن بأن الحياة والموت بيد الله، وأن ما كتبه الله لنا واقع بحكمته، وأن من نحبهم وإن غابوا عن أعيننا، فإننا نرجو أن نلقاهم في دارٍ لا فراق بعدها. في جنات الخلد بإذن الله.

نحزن… نعم.، ونشتاق… نعم، وقد تدمع العين كلما مرّ طيف ذكرى، لكن القلب يجد سكينته في قول الله تعالى: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، فنحن لم نفقد الإيمان حين فقدنا أحبتنا، بل أصبح الإيمان هو الذي يحملنا حين يثقل الفقد على القلب.

رحم الله أختي، ورحم موتى المسلمين جميعًا، ورحم كل غائب ترك في أسرته مكانًا لا يملؤه أحد.

أما أنا…فبعد سنوات طويلة من معرفتي بمصطلح "الأسرة المتناقصة"، أستطيع اليوم أن أقول: كنت أعرف تعريفه…أما معناه، فلم أعرفه إلا حين أصبحنا نحن إحدى تلك الأسر.
September 02, 2026 / 9:15 AM

الكلمات المفتاحية

أخبار ذات صلة

Rotate For an optimal experience, please
rotate your device to portrait mode.