جار التحميل...

mosque
partly-cloudy
°C,

سن اليأس... أم سن الأمل؟

سن اليأس... أم سن الأمل؟
download-img
تخشى بعض النساء هذه المرحلة قبل أن تصلنّ إليها، وكأن انقطاع الدورة الشهرية إعلان عن انتهاء الشباب، أو بداية سريعة للشيخوخة، حتى الاسم الشائع لها، "سن اليأس"، يحمل في طياته معنى قاسيًا لا يعبّر حقيقةً عما يحدث للمرأة.

فهي ليست سنًّا لليأس، ولا نهاية للأنوثة أو الحيوية، وإنما مرحلة فسيولوجية طبيعية من حياة المرأة، تتغير فيها الهرمونات، ويتغير معها الجسد أحيانًا، لكن الحياة لا تتوقف.

ماذا يحدث في هذه المرحلة؟
انقطاع الطمث، Menopause، ليس مرضًا، وإنما مرحلة طبيعية تحدث نتيجة تراجع وظيفة المبيضين تدريجيًا وانخفاض إنتاج الهرمونات الأنثوية، وعلى رأسها الإستروجين والبروجستيرون.

ولا يحدث هذا التحول عادة بين ليلة وضحاها، بل يمر الجسم بمرحلة انتقالية تُعرف بمرحلة ما قبل انقطاع الطمث (Perimenopause)، وقد تبدأ قبل آخر دورة شهرية بعدة سنوات.

وخلال هذه الفترة تبدأ مستويات الهرمونات بالتذبذب، فتلاحظ المرأة أن دورتها التي كانت منتظمة أصبحت أقصر أو أطول، أو أن كمية النزف تغيرت، وقد تغيب الدورة عدة أشهر، ثم تعود من جديد.

أما انقطاع الطمث نفسه، فيُشخَّص عندما تمر اثنا عشر شهرًا متتاليًا دون دورة شهرية، من دون وجود سبب مرضي أو دوائي آخر يفسر انقطاعها، وغالبًا ما يحدث بصورة طبيعية بين عمر 45 و55 عامًا، وإن كان التوقيت يختلف من امرأة إلى أخرى.

لماذا تظهر الأعراض؟
إن الإستروجين لا يؤثر في الجهاز التناسلي فقط، بل توجد له تأثيرات في مناطق وأنسجة متعددة من الجسم، تشمل الدماغ والعظام والقلب والأوعية الدموية والجلد والجهاز البولي والتناسلي.
لذلك فإن انخفاض مستواه قد ينعكس على الجسم بطرق مختلفة، كما أن التذبذب الهرموني الذي يسبق انقطاع الطمث قد يكون مسؤولًا عن جزء كبير من الأعراض التي تشعر بها المرأة.

وتختلف التجربة كثيرًا من امرأة إلى أخرى؛ فقد تمر إحداهن بهذه السنوات بأعراض بسيطة لا تكاد تلاحظها، بينما تعاني أخرى أعراضًا تؤثر بصورة واضحة على نومها ومزاجها وعملها وجودة حياتها.

ما الأعراض التي قد تشعر بها المرأة؟
من أشهر الأعراض الهبّات الساخنة؛ وهي شعور مفاجئ بالحرارة، غالبًا في الوجه والرقبة والصدر، وقد يصاحبه احمرار الجلد أو الخفقان أو التعرق، وإذا حدثت ليلًا فقد تستيقظ المرأة بسبب التعرق، مما يؤدي مع الوقت إلى اضطراب النوم والإرهاق خلال النهار.
وقد تصبح الدورة الشهرية غير منتظمة في السنوات التي تسبق انقطاعها، فتتغير المدة بين الدورات أو كمية النزف أو عدد أيامه، كما قد تظهر اضطرابات النوم، سواء على شكل صعوبة في النوم، أو الاستيقاظ المتكرر أثناء الليل، أو النوم غير المريح، وقد يكون ذلك مرتبطًا بالتعرق الليلي أو بالتغيرات الهرمونية نفسها.

وقد تلاحظ بعض النساء أيضًا تغيرات في المزاج والتركيز؛ مثل سرعة الانفعال، أو القلق، أو انخفاض المزاج، أو الشعور بتقلب المشاعر، إضافة إلى النسيان وصعوبة التركيز التي تصفها بعض النساء بأنها "ضبابية في التفكير".

ولا يعني ذلك أن كل اضطراب نفسي في هذه السن سببه الهرمونات، ولذلك يجب عدم إهمال الأعراض النفسية المستمرة أو الشديدة ونسبتها تلقائيًا إلى انقطاع الطمث.

ومن التغيرات المهمة أيضًا انخفاض الإستروجين في أنسجة المهبل والجهاز البولي، مما قد يؤدي إلى الجفاف أو الحكة أو الشعور بالحرقة، والألم أثناء العلاقة الزوجية أو فقدان الرغبة فيها، وقد تظهر لدى بعض النساء أعراض بولية مثل تكرار التبول أو الإلحاح البولي أو تكرر التهابات المسالك البولية.

كما قد تلاحظ المرأة تغيرًا في توزيع الدهون والوزن، أو تغيرات في البشرة والشعر، وآلامًا أو تيبسًا في العضلات والمفاصل.

لكن وجود عرض جديد لا يعني تلقائيًا أنه بسبب انقطاع الطمث؛ فالتعب، والخفقان، واضطراب المزاج، وتغير الوزن وغيرها قد تكون لها أسباب صحية أخرى، ولذلك يبقى التقييم الطبي مهمًا، خصوصًا إذا كانت الأعراض شديدة أو غير معتادة.

ما الذي يتغير على المدى البعيد؟
هناك تغيرات قد لا تشعر بها المرأة مباشرة، لكنها مهمة من الناحية الصحية. فمع انخفاض الإستروجين تتسارع خسارة الكتلة العظمية، مما يزيد مع مرور السنوات من خطر هشاشة العظام والكسور لدى بعض النساء.

كما أن مرحلة ما بعد انقطاع الطمث تتزامن مع تغيرات في عوامل مرتبطة بصحة القلب والأوعية الدموية، مثل الدهون في الدم وضغط الدم وتوزيع الدهون في الجسم، ولهذا تصبح الوقاية والمتابعة الصحية أكثر أهمية في هذه المرحلة.

وهنا لا ينبغي أن يكون الاهتمام مقتصرًا على علاج الهبّات الساخنة، بل يجب النظر إلى صحة المرأة بصورة شاملة: نشاط بدني منتظم، وتمارين مقاومة للمحافظة على العضلات والعظام، وتغذية متوازنة، ونوم جيد، والمحافظة على وزن صحي، والامتناع عن التدخين، وإجراء الفحوص الوقائية المناسبة للعمر وعوامل الخطورة.

هل يجب على المرأة أن تتحمل الأعراض؟
كون انقطاع الطمث مرحلة طبيعية لا يعني أن المرأة مطالبة بتحمل أعراض تؤثر في نومها أو عملها أو حياتها اليومية،

فهناك خيارات متعددة للعلاج، ويعتمد الاختيار على نوع الأعراض وشدتها وعمر المرأة وتاريخها الصحي وعوامل الخطورة لديها.

وقد تشمل تعديلات نمط الحياة، أو علاجات غير هرمونية، أو العلاج الهرموني لانقطاع الطمث لدى النساء المناسبات له بعد مناقشة فوائده ومخاطره مع الطبيب.

كما توجد علاجات موضعية لبعض الأعراض المهبلية والبولية، ولذلك من المهم ألا تشعر المرأة بالخجل من مناقشة هذه الأعراض خلال زيارتها للطبيب.

فالهدف من العلاج ليس مقاومة العمر أو إعادة الزمن إلى الوراء، بل أن تعيش المرأة هذه المرحلة بصحة وراحة وجودة حياة أفضل.

لماذا إذن نسميها "سن اليأس"؟
وهنا نصل إلى الجانب الذي لا يظهر في التحاليل، ولا تقيسه الأجهزة الطبية.

وقد تتوقف الدورة الشهرية، وتنتهي القدرة الطبيعية على الإنجاب، وتتغير الهرمونات، لكن شيئًا من ذلك لا يعني أن قيمة المرأة قد نقصت، أو أن أنوثتها انتهت، أو أن أجمل سنوات حياتها أصبحت خلفها.

إن اليأس ليس هرمونًا ينخفض مع الإستروجين، وليس عرضًا طبيًا حتميًا لانقطاع الطمث.

بل قد تكون هذه السنوات بداية مرحلة مختلفة تمامًا؛ مرحلة تعرف فيها المرأة جسدها ونفسها أكثر، وتصبح أكثر وعيًا بصحتها، وأكثر وضوحًا فيما تريد، وأقل انشغالًا بإرضاء الآخرين.

وربما المشكلة لم تكن يومًا في هذه المرحلة، بل في الطريقة التي اعتدنا أن نصفها بها.

فبدلًا من أن تسأل المرأة نفسها عند الوصول إليها: ماذا انتهى من حياتي؟

ربما يكون السؤال الأجمل: ماذا يمكن أن يبدأ الآن؟

فالطب يخبرنا أن انقطاع الطمث هو نهاية مرحلة هرمونية وتناسلية طبيعية، لكنه لا يقول أبدًا إنه نهاية الشباب في الروح، أو العطاء، أو الحب، أو الإنجاز، أو القدرة على البدء من جديد.

لذلك ربما آن الأوان ألا ننظر إليها باعتبارها "سن اليأس"..

بل مرحلة جديدة من العمر تحتاج إلى المعرفة، والاهتمام بالصحة، والتصالح مع التغيير، والكثير من الرحمة بالنفس.

وربما اسمها الأجمل فعلًا... "سن الأمل".
August 10, 2026 / 9:10 AM

الكلمات المفتاحية

أخبار ذات صلة

Rotate For an optimal experience, please
rotate your device to portrait mode.