جار التحميل...
إلا أن جائحة كورونا غيّرت طريقة نظر العالم إلى هذا القطاع، فقد كشفت الجائحة هشاشة العديد من سلاسل التوريد العالمية، وأظهرت للجميع أن توقف مصنع في دولة ما، أو إغلاق ميناء، أو تأخر شحنة، يمكن أن يؤثر في الأسواق والمستهلكين والشركات حول العالم.
ومنذ ذلك الوقت، أصبحت سلاسل الإمداد موضوعًا حاضرًا بقوة في مجالس إدارات الشركات، والجامعات، والمؤتمرات، والبرامج التدريبية، وأصبحت العديد من الجامعات تطرح برامج وتخصصات أكاديمية متخصصة في سلاسل الإمداد واللوجستيات.
لكن السؤال الذي يستحق التوقف عنده هو:
هل الاهتمام المتزايد بسلاسل الإمداد يعني بالضرورة أن العاملين في هذا المجال أصبحوا على طريق مباشر نحو المناصب التنفيذية العليا؟
الإجابة ليست بهذه البساطة.
المحور الأول: سلاسل الإمداد.. تخصص قديم اكتشف العالم أهميته من جديد
قد يكون من المفارقات أن العالم لم يكتشف سلاسل الإمداد بعد كورونا، وإنما اكتشف مدى خطورة عدم كفاءة سلاسل الإمداد.
فهذا التخصص كان موجودًا منذ عقود طويلة، وكانت الشركات الكبرى تعتمد على إدارة المخزون والمشتريات والنقل والتخزين والتخطيط والتنبؤ بالطلب قبل أن يصبح مصطلح “Supply Chain” من أكثر المصطلحات تداولًا في عالم الأعمال.
لكن جائحة كورونا جعلت هذه العمليات تنتقل من خلف الكواليس إلى الواجهة.
أصبح المستهلك يسأل: لماذا لا يوجد المنتج؟
وأصبحت الشركات تسأل: أين مخزوننا؟ ومتى ستصل المواد الخام؟ وهل المورد قادر على الاستمرار؟ وهل لدينا بدائل؟ وكيف يمكننا المحافظة على العمليات في ظل اضطراب الأسواق؟
وأصبحت الحكومات أيضًا تدرك أن الأمن الاقتصادي يرتبط بدرجة كبيرة بقدرة الدول على بناء سلاسل توريد مرنة وقادرة على مواجهة الأزمات.
ولهذا، شهد قطاع سلاسل الإمداد اهتمامًا غير مسبوق، سواء من الشركات أو الجامعات أو الشباب الباحثين عن تخصصات مهنية جديدة.
وهنا يجب أن نكون واضحين:
سلاسل الإمداد ليست تخصصًا جديدًا، وإنما هي تخصص قديم أصبح العالم يدرك أهميته بشكل أكبر.
المحور الثاني: هل سلاسل الإمداد طريق مباشر إلى المناصب التنفيذية العليا؟
هنا نصل إلى نقطة قد لا يتفق معها الجميع، لكنها تستحق النقاش.
كثير من الشباب الذين يدخلون مجال سلاسل الإمداد يبدأون بطموحات كبيرة، وهذا أمر طبيعي، ومع مرور السنوات، يبدأ البعض في التساؤل: لماذا لم أصل إلى منصب تنفيذي أعلى رغم أن لدي سنوات طويلة من الخبرة؟
قد يكون جزء من الإجابة مرتبطًا بطبيعة الوظيفة نفسها.
فجزء كبير من أعمال سلاسل الإمداد ذات طبيعة تشغيلية وعملية، فالمتخصص قد يعمل يوميًا على إدارة المخزون، ومتابعة العمليات اللوجستية، والتنبؤ بالطلب، وإدارة حركة المواد، وتدوير المخزون، ومتابعة الموردين، وتقليل التكاليف، وتحسين الإنتاجية، وضمان وصول المنتجات والمواد في الوقت المناسب.
وكل هذه الأعمال مهمة جدًا، بل لا يمكن لأي مؤسسة صناعية أو تجارية أن تعمل بكفاءة من دونها.
لكن هناك فرقًا بين أن تكون متخصصًا ممتازًا في العمليات وبين أن تكون تنفيذيًا يشارك في صناعة القرار الاستراتيجي للمؤسسة.
فالاجتماعات التنفيذية العليا غالبًا لا تدور فقط حول المخزون أو الشحن أو أوقات التسليم، وإنما تناقش أسئلة أكبر، مثل:
● أين تتجه الشركة خلال السنوات القادمة؟
● ما الأسواق الجديدة التي سندخلها؟
● كيف سنحقق النمو؟
● ما مستوى الربحية المستهدف؟
● أين سنستثمر؟
● ما المنتجات التي سنوسعها أو نوقفها؟
● كيف سندير المخاطر؟
● كيف سنزيد الإيرادات؟
● ما الاستراتيجية المناسبة للمنافسة؟
وهنا تظهر الفجوة.
فالمتخصص الذي قضى سنوات طويلة في الجانب التشغيلي فقط قد يكون خبيرًا في مجاله، ولكنه لم يحصل بالضرورة على الخبرة التجارية والمالية والاستراتيجية التي تؤهله للمشاركة في القرارات التنفيذية العليا.
لذلك، المشكلة ليست أن سلاسل الإمداد لا تصنع قادة، وإنما أن الانتقال من الدور التشغيلي إلى الدور التنفيذي يحتاج إلى مجموعة مختلفة من المهارات.
ومن يريد الوصول إلى المناصب العليا لا ينبغي أن يظل محصورًا في مؤشرات الأداء التشغيلية فقط، بل عليه أن يفهم لغة الإدارة العليا:
الإيرادات، الربحية، التدفق النقدي، الاستثمار، المخاطر، النمو، الاستراتيجية، والعملاء.
فالقيادة التنفيذية لا تسأل فقط: “كم خفضت من تكلفة الشحن؟”
بل تسأل:
“كيف ساهم هذا التخفيض في تحسين ربحية الشركة وقدرتها التنافسية؟”
وهذا اختلاف جوهري في طريقة التفكير.
المحور الثالث: نصيحتي للشباب العاملين في سلاسل الإمداد
إذا كنت تعمل في سلاسل الإمداد، فلا تنتظر أن يكتشف أحد قيمتك بعد سنوات طويلة من العمل.
قِس عملك، وطوّره، ووثّقه.
هذه واحدة من أهم النصائح التي يمكن تقديمها لأي شاب يريد بناء مسار مهني قوي في هذا القطاع.
لا يكفي أن تقول في نهاية العام:
“قمت بعملي بشكل جيد.”
بل يجب أن تستطيع أن تقول:
“خفضت التكلفة بنسبة كذا.”
“حسّنت مستوى المخزون.”
“رفعت أداء الموردين.”
“خفضت وقت الاستلام والتسليم.”
“حسّنت دقة التنبؤ بالطلب.”
“رفعت نسبة التوصيل في الوقت المحدد.”
الأرقام تتحدث بشكل أقوى من الكلمات.
أولًا: قياس الأداء
اجعل قياس الأداء عادة مستمرة:
يوميًا، وأسبوعيًا، وشهريًا.
راقب مؤشرات الأداء الرئيسية، وابحث دائمًا عن الفجوة بين الوضع الحالي والمستهدف.
والأهم من القياس هو السؤال:
ماذا فعلت لتحسين الرقم؟
فالهدف من مؤشرات الأداء ليس إعداد التقارير فقط، وإنما استخدامها لاتخاذ القرارات والتحسين المستمر.
ثانيًا: وثّق إنجازاتك رسميًا
من الأخطاء التي يقع فيها الكثير من العاملين أنهم يحققون نتائج ممتازة، لكنهم لا يوثقونها.
بعد سنوات، قد تنسى التفاصيل، وقد لا يتذكر المديرون السابقون ما أنجزته.
لذلك وثّق مشاريعك ونتائجك بشكل رسمي، واحتفظ بسجل مهني لإنجازاتك.
وثّق مثلًا:
● خفض التكاليف الذي حققته.
● التحسينات التي أجريتها في إدارة المخزون.
● التطور في أداء الموردين.
● تقليل أوقات الاستلام والتسليم.
● تحسين دقة التنبؤ بالطلب.
● تحسين نسبة التوصيل في الوقت المحدد.
● مشاريع تحسين العمليات والإنتاجية.
هذا التوثيق ليس مجرد وسيلة لكتابة السيرة الذاتية، وإنما هو السجل الحقيقي لقيمتك المهنية.
ثالثًا: لا تحاول أن تكون خبيرًا في كل شيء
سلاسل الإمداد عالم واسع جدًا، ويضم تخصصات متعددة.
ومن الصعب أن تكون متميزًا في كل شيء.
لذلك، من الأفضل في كثير من الحالات أن تختار مجالًا محددًا وتبني فيه خبرة عميقة.
يمكن أن يكون تخصصك:
إدارة المخزون
أو: اللوجستيات
أو: المشتريات
أو: العقود
ثم حاول أن تصبح الشخص الذي يُرجع إليه الآخرون عندما تواجه المؤسسة مشكلة أو تحديًا في هذا المجال.
التخصص العميق يصنع قيمة مهنية حقيقية.
لكن في الوقت نفسه، لا يعني التخصص أن تعزل نفسك عن بقية سلسلة الإمداد. يجب أن تفهم الصورة الكاملة وكيف يؤثر تخصصك في المشتريات والمخزون واللوجستيات والعملاء والمالية.
وأخيرًا..
سلاسل الإمداد قطاع مهم، ومستقبله كبير، والطلب على المتخصصين فيه سيستمر.
لكن النجاح المهني في هذا المجال لا يقاس بعدد سنوات الخبرة فقط.
الخبرة وحدها لا تكفي.
يجب أن تكون قادرًا على إثبات القيمة التي أضفتها إلى المؤسسة.
قِس.
حسّن.
وثّق.
تخصص.
ثم تعلم لغة الأعمال.
فإذا كان طموحك هو البقاء متخصصًا في العمليات، فكن من أفضل المتخصصين في مجالك.
أما إذا كان طموحك هو الوصول إلى الإدارة العليا، فعليك أن تتجاوز حدود العمليات، وأن تفهم كيف تعمل الشركة ككل، وكيف تحقق الإيرادات والأرباح، وكيف تُتخذ القرارات الاستراتيجية.
وهنا تحديدًا يبدأ الانتقال الحقيقي:
من موظف يدير العمليات… إلى قائد يفهم الأعمال.