قبل مقابلة مهمة، أو نتيجة ننتظرها، أو خبر يقلقنا، قد يوضع الطعام أمامنا، ولا نستطيع أن نأكل، ونشعر وكأن المعدة انغلقت تمامًا، وربما نحاول تناول بضع لقيمات، فنشعر بالغثيان أو الامتلاء سريعًا، وفي أوقات أخرى يحدث العكس تمامًا، بعد يوم طويل ومليء بالضغوط، نجد أنفسنا نفتح الثلاجة أكثر من مرة، أو نبحث عن الشوكولاتة والحلويات والأطعمة التي نحبها، حتى وإن تناولنا وجبتنا منذ وقت قصير، وهنا يبدو الأمر متناقضًا: إذا كان السبب واحدًا وهو التوتر، فلماذا نفقد شهيتنا أحيانًا، بينما تزداد في أوقات أخرى؟
والإجابة تبدأ من مكان قد لا نتوقعه عندما نتحدث عن الطعام: وهو الدماغ.
فالشهية ليست مجرد إشارة تصدرها المعدة عندما تصبح فارغة، وإنما عملية معقدة تشترك فيها مناطق متعددة من الدماغ، والهرمونات، والجهاز الهضمي، ومستوى السكر في الدم، والنوم، والحالة النفسية، وحتى الروائح والذكريات والبيئة المحيطة بنا.
بمعنى آخر، نحن لا نأكل دائمًا؛ لأن أجسامنا تحتاج إلى الطاقة فقط، بل نأكل لأننا جائعون، وأحيانًا لأننا سعداء، أو حزينون، أو متوترون، أو نشعر بالملل، أو لأن رائحة الطعام ذكّرتنا بشيء نحبه، ولهذا يمكن للتوتر أن يغير علاقتنا بالطعام بأكثر من طريقة.
عندما يقرر الجسم أن الطعام ليس أولوية
فعندما يواجه الإنسان ضغطًا مفاجئًا، يتعامل الدماغ مع الموقف باعتباره شيئًا يحتاج إلى الاستعداد، حيث ينشط الجهاز العصبي الودي، وتبدأ استجابة الجسم المعروفة باسم "القتال أو الهروب"، ويُفرز الأدرينالين، فيزداد نبض القلب، ويرتفع مستوى الانتباه، ويتغير التنفس، وتُعاد الأولويات داخل الجسم حتى يصبح أكثر استعدادًا للتعامل مع ما يعتقد أنه خطر.
وهذه الاستجابة مهمة جدًا للإنسان، فإذا كان هناك خطر حقيقي يهدد حياته، لا يمكن أن يكون الوقت مناسبًا للجلوس وتناول وجبة وهضمها بهدوء، فالمطلوب أن يهرب أو يدافع عن نفسه.
ورغم أن الأخطار التي نواجهها اليوم مختلفة، فإن الجسم لا يزال يستخدم المنظومة البيولوجية نفسها، فقد لا يكون أمامنا حيوان مفترس، وإنما مقابلة عمل، أو امتحان، أو خلاف، أو اتصال ننتظر نتيجته، لكن الجسم قد يستجيب بطريقة متشابهة.
ولهذا يشعر بعض الناس أثناء القلق بأنهم لا يستطيعون تناول الطعام، وقد تظهر أعراض مرتبطة بالمعدة، مثل غثيان، أو مغص، أو شعور بالشبع رغم أنهم لم يأكلوا، وهنا نفهم لماذا يقول الإنسان أحيانًا، أنا جائع… لكنني لا أستطيع أن آكل، فالحاجة إلى الطعام موجودة، لكن استجابة التوتر غيّرت الشهية مؤقتًا.
لماذا نأكل أكثر عندما يستمر الضغط؟
هنا يجب أن نفرق بين التوتر الحاد، الذي يحدث بسبب موقف مفاجئ، وبين الضغط الذي يستمر أيامًا أو أسابيع أو حتى أشهرًا، فعندما يصبح التوتر مزمنًا، تدخل عوامل أخرى في الصورة، ومنها هرمون الكورتيزول، وهو أحد الهرمونات المهمة التي يفرزها الجسم ضمن منظومة الاستجابة للضغط.
فالكورتيزول ليس هرمونًا "سيئًا" كما يُصوَّر أحيانًا، فنحن نحتاج إليه، وله وظائف أساسية في تنظيم الطاقة والاستقلاب والاستجابة للضغوط، كما أن مستواه يتغير بصورة طبيعية خلال اليوم، لكن التعرض المستمر للضغط قد يغيّر أنماط هذه المنظومة، ومع قلة النوم وتغير الروتين والعادات اليومية قد تتأثر الشهية وطريقة اختيار الطعام.
وهنا قد يجد الإنسان نفسه لا يريد أي طعام، وإنما يريد تحديدًا شيئًا حلوًا، أو مالحًا، أو غنيًا بالدهون، وهذا يقودنا إلى جانب آخر من القصة: نظام المكافأة في الدماغ.
لماذا نبحث عن الشوكولاتة بعد يوم سيئ؟
إن الطعام لا يوفر الطاقة فقط، بل يمكن أن يمنحنا شعورًا بالمتعة والمكافأة، وتنشط الأطعمة التي نستمتع بها مسارات في الدماغ مرتبطة بالمكافأة والدافعية، لذلك قد نتعلم مع الوقت، أحيانًا من دون أن ندرك، أن الطعام وسيلة سريعة للحصول على شعور مؤقت بالراحة.
ففي يوم صعب قد نبحث عن قطعة شوكولاتة، وعند الشعور بالملل، قد نبحث عن شيء نأكله، وكذلك عند الحزن أو التوتر، قد نطلب وجبتنا المفضلة، وهنا يظهر ما نسميه الأكل العاطفي.
إن الأكل العاطفي لا يعني بالضرورة وجود اضطراب في الأكل، كما أنه لا يعني ضعف الشخصية أو غياب الإرادة، فأغلبنا تقريبًا قد يربط الطعام بالمشاعر بدرجات مختلفة، فمنذ الطفولة، يرتبط الطعام بالاحتفال والمناسبات والمكافآت والاجتماعات العائلية والذكريات.
والمشكلة ليست في تناول الحلوى بعد يوم متعب، إنما المشكلة قد تبدأ عندما يصبح الطعام الوسيلة الأساسية أو الوحيدة التي نعرف من خلالها كيف نهدئ أنفسنا.
المعدة تسمع ما يحدث في الدماغ
هناك أيضًا علاقة مهمة بين الحالة النفسية والجهاز الهضمي تُعرف باسم محور الدماغ والأمعاء، فالدماغ والجهاز الهضمي يتواصلان باستمرار عبر مسارات عصبية وهرمونية ومناعية معقدة، ولهذا قد تظهر المشاعر في أجسادنا بوضوح.
فقبل امتحان مهم، قد نشعر بالغثيان. وقبل التحدث أمام مجموعة من الناس، قد نحتاج إلى دخول الحمام أكثر من مرة، وعند القلق، قد يشعر البعض بالمغص أو الانتفاخ أو تغير حركة الأمعاء، وفي المقابل، تؤثر إشارات الجهاز الهضمي أيضًا في الدماغ والشعور بالجوع والشبع.
لذلك فإن عبارة: "أشعر بالتوتر في معدتي" ليست مجرد وصف مجازي، بل هي تصف علاقة بيولوجية حقيقية بين الدماغ والجهاز الهضمي.
لماذا تختلف استجابتنا للتوتر؟
قد يعيش شخصان الموقف نفسه، فيفقد أحدهما شهيته تمامًا، بينما يتناول الآخر ضعف كمية الطعام المعتادة، والسبب أن استجابة البشر للضغط ليست نسخة واحدة، حيث تتداخل فيها عوامل كثيرة: طبيعة التوتر ومدته، والعادات الغذائية، والنوم، والحالة النفسية، والبيئة المحيطة، والتجارب السابقة، وطريقة تعامل الشخص مع مشاعره.
وكذلك فإن الشخص نفسه قد يمر بالاستجابتين في أوقات مختلفة، ففي بداية أزمة مفاجئة قد لا يستطيع تناول أي شيء، ثم بعد أيام أو أسابيع من الضغط المستمر قد يبدأ في البحث عن الطعام بصورة متكررة.
لذلك لا ينبغي أن نحكم على علاقتنا بالطعام من موقف واحد، وإنما ننظر إلى النمط الذي يتكرر مع الوقت.
هل أنا جائع فعلًا؟
من الأسئلة المفيدة أن نتعلم التفريق بين الجوع الجسدي والجوع العاطفي، فالجوع الجسدي غالبًا ما يتطور تدريجيًا، فنبدأ بالشعور بالحاجة إلى الطعام، وقد تظهر إشارات مثل فراغ المعدة أو انخفاض الطاقة، ويمكن لخيارات متعددة من الطعام أن تشبعنا.
أما الجوع العاطفي، فقد يظهر فجأة، وقد لا يقول الإنسان: "أريد أن آكل، بل يقول: أريد شوكولاتة الآن".
أي أنه لا يبحث عن الطعام بصفة عامة، بل عن طعام محدد يرتبط لديه بالراحة أو المكافأة، وقد يستمر في الأكل رغم الوصول إلى الشبع، لأن الشيء الذي يحاول إشباعه لم يكن جوع المعدة من البداية.
وهنا من المفيد أن نتوقف للحظة قبل أن نأكل ونسأل أنفسنا:
هل أنا جائع؟ أم متوتر؟ أم أشعر بالملل؟ أم أنني لم أنم جيدًا؟ أم أنني أبحث فقط عن لحظة صغيرة أشعر فيها بالراحة؟، وليس الهدف من هذا السؤال أن نمنع أنفسنا من الطعام، بل أن نفهم ما نحتاج إليه فعلاً.
النوم أيضًا يدخل في القصة
إن قلة النوم لا تجعلنا متعبين فقط، فالنوم يرتبط بتنظيم الشهية والطاقة والسلوك الغذائي، وقد تؤثر قلة النوم في الإشارات الهرمونية والعصبية المرتبطة بالجوع والشبع، كما قد تجعل مقاومة الأطعمة عالية السعرات أكثر صعوبة لدى بعض الأشخاص.
وهذا يفسر جزءًا من المشكلة التي نعيشها في الفترات المزدحمة. نكون متوترين، فننام أقل، فنستيقظ متعبين، وبالتالي نعتمد أكثر على القهوة أو السكريات للحصول على طاقة سريعة، ثم نشعر بالذنب؛ لأن نظامنا الغذائي أصبح أسوأ، بينما قد تكون المشكلة الحقيقية أن الجسم لم يحصل على الراحة التي يحتاج إليها من البداية.
متى لا يكون سبب التغيير في الشهية هو التوتر؟
مع كل ما سبق، هناك خطأ مهم يجب تجنبه، وهو ألا نفسر كل تغير في الشهية بأنه نفسي، ففقدان الشهية المستمر أو فقدان الوزن غير المقصود قد تكون له أسباب طبية متعددة، كما أن القيء المتكرر، أو صعوبة البلع، أو الألم المستمر في البطن، أو الشبع بعد تناول كمية صغيرة جدًا من الطعام تحتاج إلى تقييم بحسب الحالة.
وبالمثل، فإن زيادة الشهية بصورة واضحة ومستمرة قد ترتبط أحيانًا ببعض الأدوية أو اضطرابات النوم أو بعض الحالات الهرمونية أو الأيضية وغيرها، ولهذا فإن التغير الجديد والمستمر في الشهية يستحق الانتباه، خصوصًا إذا صاحبه تغير ملحوظ في الوزن أو أعراض أخرى.
لا تجعل الطعام عدوًا
في النهاية، ربما نحتاج أيضًا إلى تصحيح علاقتنا بالطعام نفسه، فالطعام ليس مجرد بروتين وكربوهيدرات ودهون وسعرات حرارية، إنه جزء من ثقافتنا وذكرياتنا ومناسباتنا وعلاقاتنا، ومن الطبيعي أن نشعر بالسعادة عندما نتناول شيئًا نحبه، لذلك لا ينبغي أن تتحول كل قطعة حلوى إلى معركة مع النفس، ولا أن نشعر بالذنب؛ لأننا بحثنا عن بعض الراحة في الطعام بعد يوم صعب.
لكن من المفيد أن يكون لدينا أكثر من طريق واحد للراحة، فقد يكون الطعام واحدًا منها، لكن يمكن أن يكون هناك أيضًا المشي، أو النوم، أو الحديث مع شخص نثق به، أو أخذ استراحة، أو ممارسة نشاط نحبه، أو ببساطة الابتعاد قليلًا عن الشيء الذي يستنزفنا، وأحيانًا يكون أهم ما يمكن أن نفعله هو أن نعترف بأننا متعبون بدل أن نحاول إخفاء هذا التعب بأي وسيلة.
ففي المرة القادمة التي تجد فيها نفسك أمام الثلاجة بعد يوم مرهق، لا تسارع إلى لوم نفسك،
توقف فقط واسأل: ماذا أحتاج الآن؟ ربما تكون الإجابة فعلًا: أنا جائع، فتناول طعامك واستمتع به.
لكن ربما تكون الإجابة مختلفة. ربما أنت متعب، أو قلق، أو حزين، أو تحتاج إلى النوم، أو تحتاج إلى شخص يسمعك.
فالجسد والنفس لا يعيشان في عالمين منفصلين، والشهية ليست دائمًا قصة تبدأ في المعدة، وتنتهي عند الطعام.
أحيانًا، ما نبحث عنه في الطعام ليس المزيد من الشبع… بل القليل من الراحة.