جار التحميل...

mosque
partly-cloudy
°C,

الدواء بين الإدمان والتعوّد

الدواء بين الإدمان والتعوّد
download-img
"دكتورة، أخاف آخذ هذا الدواء وأتعود عليه"، جملة أسمعها كثيراً في العيادة، وربما سمعها معظم العاملين في المجال الصحي، فبعض المرضى يرفضون بدء العلاج، وآخرون يوقفونه من تلقاء أنفسهم، ليس لأنهم شعروا بتحسن أو لأن الطبيب نصحهم بذلك، بل لأن كلمة "الإدمان" تثير في نفوسهم قلقاً كبيراً.
ورغم أهمية الحذر من بعض الأدوية، إلا أن المشكلة الحقيقية تكمن في الخلط بين مفهومين مختلفين تماماً: الإدمان والتعوّد، فليس كل دواء يُستخدم لفترة طويلة يسبب الإدمان، وليس كل شخص يتناول دواءً بشكل يومي أصبح مدمناً عليه.

لنفكر في الأمر بطريقة بسيطة، فمريض ضغط الدم يتناول دواءه يومياً لسنوات طويلة، ومريض السكري يحتاج إلى علاجه باستمرار، ومريض الربو يحتفظ ببخاخه بالقرب منه دائماً، هل يمكن أن نعتبر هؤلاء مدمنين؟ بالطبع لا، والسبب أن أجسامهم تحتاج إلى العلاج للسيطرة على مرض موجود بالفعل، وليس لأنهم يبحثون عن شعور معين أو لأنهم فقدوا القدرة على التوقف عن الدواء لأسباب نفسية.

إن التعوّد أو الاعتماد الجسدي هو حالة يتكيف فيها الجسم مع وجود الدواء مع مرور الوقت، وعندما يتوقف المريض عنه بشكل مفاجئ قد تظهر بعض الأعراض المؤقتة التي تدل على أن الجسم اعتاد وجوده، ولهذا السبب ينصح الأطباء أحياناً بالتوقف التدريجي عن بعض العلاجات بدلاً من إيقافها فجأة.

أما الإدمان فهو قصة مختلفة تماماً، فالإدمان لا يتعلق فقط بالجسم، بل يرتبط أيضاً بالسلوك والرغبة الملحة في الحصول على الدواء، فيصبح الشخص منشغلاً بالدواء بصورة مستمرة، وقد يبدأ في زيادة الجرعة دون استشارة الطبيب أو قد يبدأ بالبحث عن طرق إضافية للحصول عليه، ومع الوقت قد يؤثر ذلك في عمله وعلاقاته وحياته اليومية.

وبين تعريف الإدمان والتعود يكمن الفرق الجوهري، فالشخص الذي يستخدم الدواء وفقاً لتعليمات الطبيب لتحقيق فائدة علاجية ليس كالشخص الذي يسعى وراء تأثير الدواء نفسه، فالأول يعالج مرضاً، أما الثاني فقد يصبح أسيراً للدواء.

ولعل أكثر ما يثير القلق أن الخوف من الإدمان أصبح في بعض الأحيان سبباً لحرمان المرضى من العلاج المناسب، فهناك من يعاني من الاكتئاب أو القلق أو اضطرابات النوم أو الآلام المزمنة، لكنه يرفض العلاج منذ البداية بسبب تجارب سمعها من الآخرين أو معلومات قرأها دون التحقق من صحتها.

وفي المقابل، هناك من يستهين بالأدوية ويعتبرها أمراً بسيطاً يمكن استخدامه متى شاء وكيفما شاء، فيتناول دواءً وُصف لصديق أو قريب، أو يضاعف الجرعة عندما لا يشعر بالتحسن السريع، أو يستمر في استخدام علاج كان من المفترض أن يكون لفترة محدودة فقط، وكلا الطرفين يقع في الخطأ نفسه: اتخاذ القرار بعيداً عن المشورة الطبية.

إن العلاقة الصحية مع الدواء تقوم على الفهم لا على الخوف، وعلى المعرفة لا على الشائعات، فالأدوية مثل أي أداة أخرى في حياتنا؛ فائدتها أو ضررها يعتمد على طريقة استخدامها.

ولذلك فإن السؤال الأهم ليس: "هل سأدمن هذا الدواء؟"، بل: "هل أستخدم هذا الدواء بالطريقة الصحيحة وتحت الإشراف المناسب؟"، وعندما نفهم الفرق بين التعود والإدمان، تصبح قراراتنا أكثر وعياً، ويصبح العلاج وسيلة للشفاء بدلاً من أن يتحول إلى مصدر للقلق والخوف.

فالدواء ليس عدواً يجب أن نهرب منه، ولا صديقاً نلجأ إليه دون حساب، بل أمانة علمية يجب أن تُستخدم بحكمة، لأن الجرعة الصحيحة في الوقت الصحيح قد تكون بداية الشفاء، بينما المعلومة الخاطئة قد تحرم الإنسان من علاج هو بأمسّ الحاجة إليه.
July 13, 2026 / 8:23 AM

الكلمات المفتاحية

أخبار ذات صلة

Rotate For an optimal experience, please
rotate your device to portrait mode.