لكن السؤال الأدق قد يكون: هل ازداد الألم فعلًا، أم تغيرت الطريقة التي يشعر بها الدماغ به؟
إن الألم ليس مجرد إشارة تنتقل من مكان الإصابة إلى الدماغ، بل تجربة معقدة يشارك في تشكيلها الجهاز العصبي والنوم والمزاج والانتباه والتوتر، وحتى الوقت من اليوم.
وهذا لا يعني أن الألم "نفسي" أو غير حقيقي، بل يعني أن أجسامنا أكثر تعقيدًا من أن يكون الألم مجرد زر يعمل أو يتوقف، وأحد أبسط التفسيرات لما يحدث ليلًا هو قلة المشتتات، فخلال النهار تتنافس إشارات الألم مع عشرات الأشياء التي تستحوذ على انتباهنا: العمل، والحديث، والقيادة، والهاتف، والحركة، والأصوات من حولنا.
أما في الليل، فتختفي معظم هذه المشتتات، تصبح الغرفة هادئة، ويصبح الجسد ساكنًا، ولا يبقى أمام الدماغ الكثير ليركز عليه، فيصبح الألم أكثر حضورًا، وليس بالضرورة لأن المشكلة الجسدية أصبحت أسوأ خلال دقائق، وإنما لأن مساحة أكبر من انتباهنا أصبحت متاحة للشعور بها.
لكن الأمر لا يتعلق بالانتباه وحده، فعند جسم الإنسان ساعة بيولوجية تنظم العديد من وظائفه على مدار الـ 24 ساعة، من النوم ودرجة حرارة الجسم إلى إفراز الهرمونات وبعض العمليات المرتبطة بالمناعة والالتهاب.
وتشير الدراسات إلى أن حساسية الإنسان للألم نفسها قد تتغير بحسب الوقت من اليوم، وأن الإيقاع اليومي للجسم قد يساهم في اختلاف شدة الألم التي نشعر بها بين ساعة وأخرى.
وهناك أيضًا العلاقة المعقدة بين الألم والنوم، الألم قد يمنع الإنسان من النوم، وقلة النوم بدورها قد تزيد حساسيته للألم.
وهكذا تبدأ دائرة مرهقة: نتألم فلا ننام جيدًا، ثم نستيقظ بجهاز عصبي أكثر حساسية للألم، فيصبح النوم في الليلة التالية أصعب، ومع تكرار الأمر، لا يعود السؤال فقط كيف نعالج الألم، بل كيف نكسر هذه الدائرة أيضًا.
وكذلك قد تؤثر وضعية النوم في بعض أنواع الألم، فالاستلقاء لفترات طويلة قد يزيد التيبس لدى بعض الأشخاص، وقد تصبح بعض آلام المفاصل أو العضلات أكثر وضوحًا عند الثبات في وضعية واحدة، وفي حالات أخرى قد يؤدي الضغط المباشر على منطقة مؤلمة إلى زيادة الأعراض.
لذلك فإن عبارة "الألم يزداد ليلاً" لا تحمل تشخيصًا واحدًا، فألم المفاصل ليس كألم الأعصاب، وألم العضلات يختلف عن الصداع، والألم الناتج عن إصابة حديثة يختلف عن الألم المزمن الذي استمر أشهرًا أو سنوات.
ولهذا يهتم الطبيب بتفاصيل قد تبدو بسيطة:
هل الألم يوقظك من النوم؟
هل يتحسن عندما تغير وضعيتك؟
هل يصاحبه تورم أو احمرار؟
هل بدأ حديثًا أم أنه موجود منذ فترة؟
وهل توجد أعراض أخرى مثل الحمى، أو فقدان الوزن غير المبرر، أو ضعف أو تنميل جديد؟
فهذه التفاصيل تساعد على معرفة ما إذا كان الألم جزءًا من مشكلة معروفة، أو يحتاج إلى تقييم إضافي.
ومن المهم أيضًا ألا نقع في خطأين متعاكسين.
الأول أن نفترض أن كل ألم ليلي علامة على مرض خطير، والثاني أن نتجاهل الألم المستمر ونقول: "إنه فقط لأنني أفكر فيه كثيرًا، فالألم المتكرر أو الذي يزداد تدريجيًا، أو يوقظ الإنسان باستمرار من النوم، أو يصاحبه تغير واضح في الصحة العامة، يستحق أن يُناقش مع الطبيب".
لكن هناك جانبًا آخر من الألم الليلي لا يظهر في الأشعة ولا في تحاليل الدم، ففي النهار، قد نكون أقوى؛ لأننا مضطرون إلى الاستمرار، فلدينا عمل يجب أن يُنجز، وأشخاص نتحدث إليهم، ومسؤوليات تنتظرنا.
أما في الليل، عندما تختفي كل هذه الأشياء، يصبح الإنسان وحده مع جسده، وهنا يسمع أحيانًا ما كان يستطيع تجاهله طوال اليوم،. وربما لهذا السبب لا ينبغي أن ننظر إلى الألم دائمًا باعتباره عدوًا يجب إسكات صوته بأسرع طريقة ممكنة.