فنقول باستغراب: "لم أفعل شيئًا اليوم… فلماذا أنا متعب؟"
لكن هل يحتاج الإنسان إلى مجهود جسدي حتى يشعر بالتعب؟ ليس بالضرورة، فالتعب من أكثر الأعراض شيوعًا وتعقيدًا في الوقت نفسه، لأنه لا ينتج عن سبب واحد، ولا يمكن قياسه بتحليل واحد، وقد يكون جسديًا، أو ذهنيًا، أو مرتبطًا بالنوم أو المرض أو الأدوية أو الحالة النفسية، وغالبًا تتداخل عدة عوامل معًا.
فالجلوس طوال اليوم لا يعني أن الجسم كان في حالة راحة، فقد يكون الجسد ساكنًا، بينما يعمل الدماغ دون توقف، فهناك قرارات صغيرة منذ الصباح، رسائل تحتاج إلى إجابة، مواعيد يجب تذكرها، مهام لم تنتهِ، أصوات وتنبيهات وشاشات ومعلومات تنتقل أمامنا باستمرار، وكل ذلك يحتاج إلى انتباه ومعالجة ذهنية.
ويستطيع الإنسان أن يشعر بما يُعرف بالتعب الذهني بعد فترات طويلة من التركيز أو العمل المعرفي، حتى وإن لم يبذل مجهودًا عضليًا كبيرًا، وقد يظهر ذلك في صورة صعوبة في التركيز، وبطء في التفكير، وقلة الدافعية، والشعور بأن أبسط المهام أصبحت تحتاج إلى جهد أكبر.
لكن هناك عاملًا آخر كثيرًا ما نغفل عنه، وهو النوم.
فنحن نقيس نومنا عادة بعدد الساعات، بينما تعتمد فائدته أيضًا على جودته واستمراريته وتوقيته، فقد ينام الإنسان 7 أو 8 ساعات، لكنه يستيقظ مرات عديدة خلال الليل، أو يعاني من اضطراب يؤثر في جودة النوم، أو ينام في أوقات غير منتظمة، فيستيقظ وكأنه لم ينم بما يكفي.
ولهذا فإن عبارة "أنا أنام كثيرًا" لا تعني دائمًا "أنا أنام جيدًا".
كما أن قلة الحركة نفسها قد تكون جزءًا من المشكلة، وقد يبدو الأمر متناقضًا: كيف تساعد الحركة شخصًا يشعر بالتعب؟
فالنشاط البدني المنتظم يساعد على تحسين اللياقة وجودة النوم والمزاج، بينما قد يؤدي نمط الحياة الخامل مع الوقت إلى انخفاض القدرة على تحمل النشاط، فيصبح المجهود البسيط أكثر إرهاقًا.
وكذلك، قد يكون التعب علامة على مشكلة صحية تحتاج إلى تقييم، ففقر الدم، واضطرابات الغدة الدرقية، ونقص بعض العناصر الغذائية، والالتهابات، وبعض الأمراض المزمنة، واضطرابات النوم وغيرها قد تظهر جميعها بالتعب.
كما أن بعض الأدوية قد تسبب النعاس أو الخمول، ولذلك فإن معرفة الأدوية والمكملات التي يتناولها الشخص جزء مهم من تقييم التعب المستمر.
ولا يمكن أن نتحدث عن التعب، دون أن نتحدث عن الصحة النفسية، فالقلق المستمر قد يجعل الإنسان في حالة تأهب داخلي لساعات طويلة، والاكتئاب قد يظهر أحيانًا على هيئة فقدان للطاقة والدافعية أكثر من ظهوره في صورة حزن واضح.
وهذا لا يعني أن التعب (مجرد شيء نفسي) فالفصل الحاد بين الجسد والنفس لا يعكس الطريقة التي يعمل بها الإنسان، فالدماغ جزء من الجسم، والنوم والمزاج والألم والهرمونات والنشاط البدني تؤثر جميعها في بعضها البعض.
لذلك، عندما يشكو شخص من التعب، لا يكفي أن نقول له: "خذ فيتامينات"، كما لا يكفي أن نفترض أنه يحتاج إلى إجازة أو مزيد من القهوة.
السؤال الأهم هو: لماذا أنت متعب؟
هل تغير نومك؟
هل بدأ التعب فجأة أم تدريجيًا؟
هل تشعر بالنعاس أم بانعدام الطاقة؟
هل تستطيع ممارسة نشاطاتك المعتادة؟
هل توجد أعراض أخرى مثل فقدان الوزن، أو ضيق التنفس، أو الخفقان، أو الألم، أو الحمى؟
وهل هناك دواء جديد أو تغير كبير في حياتك؟
فكلمة واحدة مثل "تعب" قد تخفي خلفها قصصًا طبية مختلفة تمامًا.
وفي المقابل، ليس كل تعب علامة على مرض، أحيانًا يكون التعب رسالة بسيطة بأن نمط حياتنا أصبح أثقل من قدرة أجسادنا على التعافي، مثلاً نوم غير كافٍ، وجلوس طويل، وضغط مستمر، ووجبات غير منتظمة، وأيام ممتلئة بالمحفزات دون لحظات حقيقية للهدوء، وربما علينا أن نتوقف عن قياس استحقاقنا للتعب بعدد الخطوات التي مشيناها أو المهام التي أنجزناها.
فقد لا تكون حملت شيئًا ثقيلًا طوال اليوم، لكن ربما كنت تحمل الكثير في داخلك، وحين يقول لك جسدك إنه متعب، لا تفترض دائمًا أنه يبالغ، فأحيانًا يحتاج إلى فحص، وأحيانًا يحتاج إلى نوم.
وأحيانًا يحتاج فقط إلى أن نتوقف عن مطالبته بالاستمرار وكأنه آلة لا تتعب.