خرجت من منزلي الأسبوع المنصرم في صباح دافئ وذهني مشغول بألف حساب وتفصيل صغير، فتحت بابي لأخرج فإذا بمشهد يخز في القلب خزاً مجموعة من العمالة البسيطة ملتفون حول زميل لهم كأنهم يظللونه بأجسادهم المرهقة، كان يبكي ليس بكاءً عادياً بل بحرقة من يعرف أن الأرض هوت من تحت قدميه.
اقتربت، وسألت أحدهم: "ما به؟"
نظر إلي بعينين ذابلتين وقال بصوت مبحوح: "وصله اتصال من بلده...ابنه... ابنه الخريج توفي في حادث".
توقف قلبي لوهلة.
فهمت كل شيء ذلك الرجل الذي يقف أمامي منكسر الجسد قبل الروح ظل يعمل هنا 15 عاماً، 15 عاماً من الغربة، من الحر والبرد، من الذل أحياناً ومن الأمل طوال الوقت، كان يحلم، كان يجمع الدرهم فالدرهم ليرى ابنه مهندساً، مهندساً يرفع به رأسه بين الناس، مهندساً يسطر به قصة كفاح أب بسيط قهر المستحيل.
والآن؟ الآن ذلك الابن الذي كان حلم العمر يلفه الكفن الأبيض قبل أن يرتدي قبعة التخرج.
نظرت إليه فلم أستطع النطق، أي كلمة تعزي رجلاً انهارت قلاعه في ثانية؟ كيف أواسيه وأنا أعلم أن كل ليلة سهرها، كل يوم تعب فيه، كل ابتسامة خبأها في قلعه حين تحدث عن ابنه، كل ذلك صار رماداً في حنجرته؟
وقف زملاؤه حوله يربتون على كتفيه بعضهم يبكي معه وبعضهم يرتجف صمتاً كلهم يفهمون، كلهم تركوا أبناءهم وراءهم من أجل لقمة العيش، كلهم يبنون حلماً على أنقاض غربتهم والموت يحصد أبناءهم كما تشاء الصدفة.
عجيبة هي الدنيا نخطط لها كأننا نملك زمامها نصرّف رواتبنا على أحلام كبيرة نبني غرفاً في منازلنا لمن سيأتي نزرع بذوراً لم نعرف إن كانت الأرض ستحتضنها أم الريح، والله وحده يدير هذا الكون بحكمة قد تخفى على عقولنا القاصرة.
في تلك اللحظة شعرت بأن كل مشاكلي الذهنية التي خرجت من بيتي لأجلها صارت تافهة، كل "همّ" كنت أحمله في بالي تبخر أمام منظر رجل يبكي على حلم عمره بكامله.
نظرت إلى السماء وقلت في نفسي: اللهم لا تأخذ منا أحلامنا قبل أن نراهم حقاً، اللهم اجعل كل تعب في الدنيا له مردوداً عندك.
ثم مشيت، لكن صوت بكائه ظل في أذني طوال أسبوع وما زال.
الحياة عبرة، نعم، عبرة لمن يعتبر تذكر: كل من حولك يحمل حلماً لا تعرف ثمنه، كن رحيماً، كن ليناً، فربما كلمة طيبة أو وقفة صادقة مع إنسان تخفف عنه ما لا تعرف من الألم.
وأخيراً، كم مرة خططت فيها لمستقبل ابنك ونسيت أن تستودعه الله كل صباح؟
ارحمونا يا رب.