في صباح بارد يستيقظ طفل على صوت لا ينتمي لأبيه ولا لأمه.. صوت الغياب.. صوت انشطار العالم إلى نصفين كل نصف يرمي باللوم على الآخر وكل نصف يريد أن ينتزع من الطفل ما تبقى من ضحكاته البريئة.
وينفصل الوالدان لكن الطلاق الحقيقي لا يحدث في المحكمة، بل يحدث في عيني طفل يراقب أمه تبكي خلف الباب وأباه يرحل دون قبلة على الجبين .. يحدث في حقيبة مدرسية تحوي أغراضًا مرمية بين منزلين وكأن الطفل أصبح شحنة يتم تسليمها آخر الأسبوع بابتسامة مصطنعة هنا وعبوس متعب هناك.
فكم من طفل تحول إلى ورقة ضغط؟ "قل لأبيك أن يدفع النفقة" ... "قل لأمك أن تخفض صوتها" ... رسائل ثقيلة توضع على كتفين صغيرين لا تحتمل حتى حقيبة المدرسة، ويصبح الطفل جسرًا محترقًا بين عالمين أو جدارًا يُلقى عليه الطلاق بالتبادل.
وهنا يأتي الشتات.. ليس شتات الأوطان بل شتات الروح.. طفل لا يعرف أين بيته الحقيقي.. هل هي غرفة أمه التي تخلو من أبيه؟ أم غرفة أبيه التي تخلو من دفء أمه؟ ويجد نفسه في يوم ميلاده وحيدًا بين زوجين جديدين وإجازته ممزقة بين سفرين وذاكرته فسيفساء من لحظات عصيبة يشاء أن ينساها لكنها ترسخ في دواخله.
ويكبر هؤلاء الأطفال وهم يحملون ندوبًا لا تُرى.. صاروا حكماء قبل أوانهم يعرفون معنى الخيانة قبل أن يعرفوا معنى الحب.. ويتعلمون الصمت المبكر لأن أي كلمة قد تصبح سلاحًا في حرب لا نهاية لها، وربما في لحظة ضعف يبكون على أنفسهم التي كانت يومًا كاملة، قبل أن ينكسر الكأس إلى نصفين لا يلتئمان.
لا أقول إن الطلاق جريمة.. بل أقول إن استخدام الأبناء أداة للانتقام أو الابتزاز هي الجريمة الصامتة.. وننسى أن الطفل الذي نتنازع على حضانته هو إنسان يحلم أن يكون يومًا ما سعيدًا.. ومكتملًا دون أن يُجبر على اختيار بين من أحبهما كلاهما.
فليتوقف العالم قليلًا ليتذكر كل أب وكل أم أن الابن ليس ميدان معركة، بل هو زهرة هشة تحتاج إلى مطر الحب من الجهتين، وإلا فسيبقى الأبناء بعد الانفصال كطيور بلا أعشاش تحلق في سماء لا تعرف اتجاه العودة إلى الوطن... لأن الوطن الوحيد الذي عرفوه قد انقسم.