جار التحميل...
الفرحة المستدانة.. عندما يتحول العرس إلى مأتم مالي
إن قصة صديقنا ليست حالة فردية بل أصبحت حالة اجتماعية تتفاقم في مجتمعاتنا.. تجد الأسر تقترض لاستقبال المولود الجديد، وتستدين لتوديع العريس وترتهن للبنوك، وتحولت المناسبات من لحظات إنسانية تعاش ببساطة إلى معارك استعراضية تُربح فيها وجاهة اجتماعية زائفة وتُرهن فيها سنوات من العمر لقروض تبدأ بالاستهلاك وتنتهي بالإرهاق.
يرى المؤيدون أن "الناس مجبولة على حب الفرح" وأن العادات الاجتماعية تفرض على صاحب المناسبة استقبال معارفه وأقربائه "كما يفعل الجميع". يقول أحدهم: "كيف سأنظر في عيون الناس لو عادت زوجتي حاجة ولم أعمل وليمة؟ وكيف ستبدو ابنتي وقد تخرجت بتفوق دون حفل يليق بتعب سنواتها؟" هكذا يصبح الاقتراض "حلاً وحيداً" لتجنب الإحراج الاجتماعي في حين يغيب عن البال أن الإفلاس المؤجل ليس أقل إحراجًا.
أما المعارضون فيرون في هذه الممارسات شكلاً من أشكال "التهور الجماعي "يتساءلون: أليس الأجدر أن تقرض الأسر أموالاً لتطوير الذات أو شراء مسكن أو تأمين تعليم أفضل؟ ويؤكدون أن الفرحة الحقيقية تُقاس بقلوب الأحبة لا بكمية الأطباق المقدمة، أو عدد السيارات التي تصطف أمام قاعة الاحتفالات بل يذهب بعضهم إلى القول بأن هذه الاستقبالات المبالغ فيها تحول الفرح إلى "طقس إجباريّ" يفقد بريقه حين يتحول إلى دين ثقيل الظل.
إن الأخطر من الاقتراض ذاته هو ما يكشفه من أمراض اجتماعية عميقة تنافس محموم على إظهار الوجاهة حتى لو كان الجيب فارغًا، مثل "فلان عمل حفل زفاف في قصر الأفراح، وعلان أقام استقبالًا على اليخت" كأنها سباق لا ينتهي نحو قمة لا وجود لها، يظن البعض أن الاحتفال الفخم دليل على النجاح والمكانة متناسين أن النجاح الحقيقي يكمن في الاستقرار المالي والنفسي للأُسرة بعد انتهاء الموسم الاحتفالي.
في خضم هذا الجدل يبقى السؤال الأهم: كيف نفرح دون أن نستدين؟ والجواب لا يحتاج إلى فيلسوف بل إلى قليل من الشجاعة الاجتماعية.. فالفرح حق مشروع والاحتفال بالمناسبات ضرورة نفسية واجتماعية لكن حدود هذا الحق تنتهي حيث تبدأ القدرة المالية.. ليس عيبًا أن تعترف بأن "ميزانيتي محدودة" بل العيب كل العيب أن ترتهن لسنوات من أجل ليلة واحدة تتبخر سريعًا ذكرياتها ويبقى دينها يتربص بك كل شهر.
استقبل أحبابك في بيتك بدلاً من قاعات الأفران الفارهة.. قدِّم وجبة متواضعة لكنها مخلصة.. والأهم: استبدل منطق "ماذا سيقول الناس" بمنطق "كيف سأعيش أنا وأسرتي بعد غد" لأن الناس لن يدفعوا أقساط قرضك ولن يشاركوك هموم التأخير البنكي.
ربما يحتاج مجتمعنا إلى ثقافة جديدة ثقافة تقديريّة للجوهر قبل المظهر.. إلى وعي بأن العبرة ليست بحجم وليمة الزفاف بل ببركة العشرة.. وليست بفخامة استقبال التخرج بل بتحصيل علمي نافع.. وليست بكثرة المدعوين لعودة الحاج بل بخشوع الدعوات وصدقها.
فالفرحة الحقيقية، هي التي لا تُستدان من البنوك بل من القلب.. هي التي تظل ذكراها عطرة ولا تتحول مع الأيام إلى حسرة على أموال ضاعت وسنوات من العمر أُهدِرت في خدمة أوهام اجتماعية.. فلتكن فرحتك ضمن مقدرتك ولتكن بساطتك عنوان غناك الحقيقي: غنى النفس والرضا بما قسم الله.
والفرحة ليست عبئًا إذا عرفنا كيف نصنعها دون أن نرهق مستقبلنا.. أما حين نحولها إلى استدانة فنحن ببساطة نؤجل دفع ثمن الفرحة إلى سنوات قادمة مع الفوائد.