جار التحميل...
هذا التغير السريع قد يثير دهشة الوالدين أحياناً وقلقهما أحياناً أخرى، خصوصاً عندما يلاحظان أن طفلهما لم يعد ذلك الرضيع الهادئ، بل أصبح أكثر حركة وعناداً وتمسكاً برأيه، والحقيقة أن معظم هذه التغيرات طبيعية تماماً، بل إنها دليل على نمو صحي ومتوازن.
في عمر السنة يبدأ معظم الأطفال بالوقوف أو المشي، لكن مع اقترابهم من العام الثاني يصبحون أكثر قدرة على الجري والتسلق وصعود الدرج والإمساك بالأشياء بدقة أكبر.
وتزداد لديهم الرغبة في الاستكشاف بشكل ملحوظ، لذلك نجدهم يفتحون الأدراج، ويسحبون الأغراض، ويحاولون الوصول إلى كل زاوية في المنزل، وهذه السلوكيات لا تعني أن الطفل "مشاغب"، بل تعكس فضوله الطبيعي ورغبته في التعلم.
خلال هذه المرحلة تتطور لغة الطفل بصورة مذهلة، فقد يبدأ عامه الأول ببضع كلمات بسيطة، ثم يقترب من عامه الثاني وهو قادر على استخدام عشرات الكلمات، وفهم التعليمات البسيطة والتعبير عن احتياجاته.
إلا أن عدم قدرته على التعبير الكامل عما يشعر به قد يسبب له الإحباط، فيلجأ إلى البكاء أو الصراخ أو نوبات الغضب للتعبير عن نفسه.
من أهم ما يميز هذه المرحلة التغيرات العاطفية الكبيرة. فالطفل يبدأ بتكوين شخصيته المستقلة، ويصبح أكثر وعياً بمن حوله وبمشاعره الخاصة.
قد نلاحظ تعلقه الشديد بوالديه، أو خوفه من الغرباء، أو اعتراضه عند مغادرة أحد الوالدين، وهي مشاعر طبيعية تعرف بقلق الانفصال.
كما يبدأ الطفل بإظهار مشاعر جديدة مثل الغيرة، والفرح، والإحباط، والرفض، وحتى التعاطف البسيط مع الآخرين.
كثير من الآباء يتساءلون: لماذا أصبح طفلي عنيداً فجأة؟
والسبب ببساطة أن الطفل في هذه المرحلة يكتشف لأول مرة أنه شخص مستقل يمتلك إرادة خاصة، لكنه في الوقت نفسه لا يزال يفتقر إلى القدرة على ضبط مشاعره أو التعبير عنها بالكلمات.
لذلك فإن قول الطفل المتكرر "لا"، أو رفضه لبعض الأمور، أو دخوله في نوبات بكاء شديدة، يعد جزءاً طبيعياً من مراحل النمو وليس دليلاً على سوء التربية.
يحتاج الطفل إلى والدين هادئين أكثر من حاجته إلى العقاب. فالصراخ المستمر قد يزيد من توتره بدلاً من تهدئته.
ينبغي أن تكون القواعد المنزلية بسيطة وثابتة، مثل عدم لمس الكهرباء أو ضرب الآخرين، مع تطبيقها بهدوء وثبات.
بدلاً من إصدار الأوامر بشكل دائم، يمكن منحه خيارات بسيطة مثل: “هل تريد هذا القميص أم ذاك؟” مما يعزز شعوره بالاستقلالية.
عندما يغضب الطفل يمكن القول له: “أعرف أنك غاضب لأنك تريد اللعبة”. هذا يساعده تدريجياً على فهم مشاعره والتعبير عنها.
اللعب والقراءة للطفل ليسا وسيلة للترفيه فقط، بل هما أساس مهم لتطور اللغة والذكاء والمهارات الاجتماعية.
إن الفترة بين السنة والسنتين ليست مجرد مرحلة نمو جسدي، بل هي رحلة متكاملة تتشكل خلالها ملامح الشخصية الأولى للطفل. وقد تبدو هذه المرحلة مليئة بالفوضى والتحديات، لكنها في الحقيقة تحمل أجمل لحظات الاكتشاف والتطور.
فخلف كل كلمة جديدة، وكل خطوة متعثرة، وكل نوبة غضب، هناك طفل صغير يحاول أن يفهم نفسه والعالم من حوله، ويحتاج فقط إلى الحب والصبر والاحتواء.