جار التحميل...

mosque
partly-cloudy
°C,

ما قبل البداية.. رحلة إلى أول لحظة في الكون

ما قبل البداية.. رحلة إلى أول لحظة في الكون
download-img
يُعد سؤال "ماذا كان قبل كل شيء؟" من أعمق الأسئلة التي شغلت الإنسان عبر التاريخ، لأنه لا يبحث عن بداية حدث معين، بل عن أصل الوجود نفسه، وقد حاولت الفلسفة والأديان والعلم الحديث تقديم إجابات مختلفة، كلٌ وفق منهجه وأدواته.
فعلم الكونيات المعاصر، استطاع أن يقترب من وصف المراحل الأولى لنشأة الكون، لكنه ما زال يعترف بوجود حدود لا يستطيع تجاوزها، وتشير الأدلة العلمية إلى أن الكون بدأ قبل نحو 13.8 مليار سنة في حالة شديدة الكثافة والحرارة، ثم أخذ يتمدد حتى يومنا هذا. 

وقد استند العلماء إلى عدة أدلة قوية، منها تمدد المجرات، وإشعاع الخلفية الكونية، ووفرة العناصر الخفيفة، مما جعل نموذج الانفجار العظيم النموذج الأكثر قبولًا لتفسير تاريخ الكون المبكر. 

ومع ذلك، فإن هذا النموذج لا يصف خلق الكون من العدم، بل يصف تطوره منذ أولى مراحله المعروفة، وتبرز هنا مسألة جوهرية؛ إذ أن كلمة "قبل" تفترض وجود الزمن، بينما تشير الفيزياء الحديثة، استنادًا إلى نظرية النسبية العامة، إلى أن الزمان والمكان يشكلان معًا نسيجًا واحدًا يسمى الزمكان، وأن هذا النسيج بدأ مع بداية الكون. 

ولذلك يرى كثير من الفيزيائيين أن السؤال عن "ما قبل" بداية الزمن قد لا يكون ذا معنى فيزيائي، لأن الزمن نفسه لم يكن موجودًا بالمعنى الذي نعرفه اليوم، ورغم هذا التفسير، فإن العلم لا يدّعي امتلاك الإجابة النهائية. 

فقبل زمن قصير جدًا يعرف بزمن بلانك، تتوقف النظريات الفيزيائية الحالية عن تقديم وصف دقيق، لأن قوانين النسبية وميكانيكا الكم لم تُدمج بعد في نظرية واحدة تفسر تلك المرحلة، ولهذا ظهرت فرضيات متعددة، مثل الكون الدوري، والأكوان المتعددة، والجاذبية الكمية، إلا أنها ما زالت نماذج نظرية لم تُثبت بالأدلة الرصدية الكافية.

ومن أكثر المفاهيم التي يساء فهمها القول إن الكون نشأ "من لا شيء"، ففي الفيزياء لا يقصد بـ "اللا شيء" العدم المطلق، وإنما الفراغ الكمي الذي تحكمه قوانين فيزيائية ويحتوي على طاقة وحقول كمية، أما العدم الحقيقي، الذي لا زمان فيه ولا مكان ولا قوانين، فهو مفهوم فلسفي يتجاوز نطاق العلم التجريبي.

وهنا تتجلى إحدى أهم خصائص المنهج العلمي، وهي الاعتراف بحدود المعرفة، فالعلم يجيب عن الأسئلة القابلة للرصد والاختبار، لكنه لا يستطيع أن يحسم القضايا التي تقع خارج نطاق التجربة، مثل سبب وجود قوانين الطبيعة أصلًا أو الغاية من وجود الكون.

أما في الرؤية الإسلامية، فإن الله سبحانه وتعالى هو الأول الذي ليس قبله شيء، وهو خالق الزمان والمكان والكون بأسره، ومن هذا المنطلق، لا يُطرح سؤال "ماذا كان قبل الله؟"، لأن مفهوم "قبل" مرتبط بالزمن، والله تعالى هو خالق الزمن وليس خاضعًا له، ولا يهدف هذا التصور إلى تقديم تفسير فيزيائي، بل إلى بيان حقيقة عقدية تختلف في مجالها عن التفسير العلمي.

وهكذا يبقى سؤال "ماذا كان قبل كل شيء؟" من أعظم الأسئلة التي تدفع الإنسان إلى التأمل والبحث، وقد نجح العلم في كشف كثير من أسرار الكون، لكنه لا يزال يقف بتواضع أمام حدود معرفته، بينما تستمر الفلسفة والدين في معالجة الأسئلة المتعلقة بمعنى الوجود وأصله. 

وربما تكمن قيمة هذا السؤال في أنه يذكّر الإنسان بأن كل اكتشاف جديد لا يغلق باب المعرفة، بل يفتح أبوابًا أوسع لأسئلة أكثر عمقًا، تجعل رحلة البحث عن الحقيقة مستمرة ما دام العقل الإنساني يتأمل هذا الكون الفسيح.
July 09, 2026 / 8:48 AM

الكلمات المفتاحية

أخبار ذات صلة

Rotate For an optimal experience, please
rotate your device to portrait mode.