نظم النادي الثقافي العربي في الشارقة جلسة نقاشية حول كتاب "الوافي في تاريخ المسرح في السودان" للدكتور يوسف عايدابي، الصادر عن الهيئة العربية للمسرح، بمشاركة الناقدين المسرحيين مصعب الصاوي وعصام أبو القاسم، وبحضور المؤلف وعدد من المسرحيين والمثقفين.
الشارقة 24:
نظم النادي الثقافي العربي في الشارقة مساء أمس الأول جلسة نقاشية لكتاب "الوافي في تاريخ المسرح في السودان" للدكتور يوسف عايدابي، الصادر عن الهيئة العربية للمسرح، وشارك فيها الناقدان المسرحيان مصعب الصاوي وعصام أبو القاسم بحضور المؤلف وعلي المغني نائب رئيس مجلس إدارة النادي وعدد من المسرحيين والمثقفين.
والدكتور يوسف عايدابي هو كاتب ومخرج وناقد مسرحي ومنشط ثقافي، حاصل دكتوراه في تاريخ ونظرية المسرح عام 1979، وهو أحد الأوجه الثقافية والمسرحية المعروفة في السودان والإمارات، وقد ساهم في الحركة الثقافية والمسرحية في البلدين بأعمال وتأطير ومبادرات كثيرة على مدى عدة عقود.
وفي عرضه عن الكتاب، قال مصعب الصاوي إن "الوافي في تاريخ المسرح في السودان" للدكتور يوسف عايدابي هو بمثابة "جمهرة " موسوعية عن المسرح والحياة المسرحية في السودان، ولم يكن إعدادها بالمهمة السهلة؛ لأنها تتطلب معرفة راسخة وواثقة بتاريخ المسرح في السودان، مساراته وتطوره، تياراته ورموزه وأعلامه ومصادره، وقد قام الدكتور عيدابي بالمهمة على أكمل وجه، وكيف لا وهو الذي ظل مؤثراً وفاعلاً في المسرح السوداني، وقد ساهم في صياغة تيار "الغابة والصحراء" المسرحي، كما أنه صاحب اتجاه "مسرح لعموم أهل السودان في سبيل تعددية وتنوع ثقافي في بلاد السودان".
وأضاف الصاوي أن منهجية كتاب "الوافي" تجمع بين ما هو تراثي وما هو حداثي عصري، ويظهر الأثر التراثي في جمع وتنوع وشمول المادة على غرار المصنفات الأدبية التاريخية الكبرى، و"الوافي" لم يقدم لنا فقط سيرة المسرح مجردة، بل مشحونة بحواشي العصر والأفكار السائدة والقيم المجتمعية بين الرفض والقبول، مع المقارنة والقياس والمقاربات والجرح والتعديل والموازنة والتحقق من المصادر وضبطها بطريقة علمية، هذا دون أن يغفل مناهج التحليل النقدي المعاصر واستخلاص مقولات فكرية لكل فترة من فترات تاريخ المسرح في السودان وربطها بالمحتوى الاجتماعي لفهم الظاهرة المسرحية في سياقها الاجتماعي وتفسيرها.
وحول تبويب الكتاب، قال الصاوي إن القسم الأول من "الوافي" عني بالمسرح الوافد بدايات القرن العشرين وبمقدمة تمهيدية عن الإعداد والتناص والسودنة في مقابل أعداد مسرح الجاليات للمسرحيات العربية التاريخية أو الأوروبية وإشارات عن دور العرض لتلك الجاليات، وفي القسم الثاني اهتم بنشاط الفرق المسرحية والمسرح والمؤسسة التعليمية للمسرح، ووثق الجزء الثالث لتجربة المسرح القومي ومواسمه المسرحية والمشتغلين، كما خصص الكتاب فصولاً مقدرة لتوثيق أسماء ساهمت في صناعة الحياة المسرحية من الرواد: "صديق فريد، عبدالرحمن علي طه، المسرحي خالد أبو الروس، أحمد الطيب أحمد، الطاهر شبيكة، ميسرة السراج، الفاضل سعيد وغيرهم"، كما أرفق بالكتاب ملحقات وقصاصات تطبيقية وصور عن عروض تلقاها جمهور المسرح على مدى قرن تقريباً.
أما عصام أبو القاسم الذي تولى التعقيب، فقد لخص أهمية الكتاب في عدة نقاط، فقال: إن كتاب "الوافي في تاريخ المسرح في السودان" للدكتور عيدابي هو المرجع الأهم للمسرح السوداني اليوم؛ وذلك لنجاحه في جمع وتوثيق الدراسات والمقالات المشتتة وإعادة صياغتها في متن مرجعي موحد، وتتعزز قيمة هذا العمل بصدوره عن "الهيئة العربية للمسرح"، بما تمتلكه من قدرةٍ على توزيع الكتاب وإتاحته للباحثين في شتى أنحاء العالم العربي؛ وهو أمر يحتاجه المسرح السوداني لكونه يتقاسم مشتركاتٍ فنية وتاريخية مع بقية المسارح العربية، وبالتالي سيستقطب اهتمام الباحثين العرب لدراسته، وهو كتاب يمثل "جماع" أو " مستودع" كل الجهود التي بذلت في السابق في المسرح السوداني على جميع مستوياته النظرية والتطبيقية والتنشيطية.
كما يحسب للدكتور عيدابي حسه التاريخي ومسؤوليته التوثيقية؛ إذ أدرك بشكل مبكر القيمة العالية لمصادر مبعثرة، مثل مؤلفات جعفر النصيري، والدكتور خالد المبارك، والدكتور عز الدين هلالي، وبحوث آمال الفاضل ومجذوب عيدروس وسواهما، فضلاً عن أرشيف مجلتي "النهضة" و"الفجر" وصحافة السبعينيات والثمانينيات.
ولم يكتف بجمع هذه الوثائق لسنوات، بل عمل على اختبار مادتها وتحفيز الباحثين على استنطاقها، وفي ذلك ما يبرهن على رؤيةٍ نقدية متقدة، ومثابرة عالية، والتزام منهجي رفيع تجاه صون التجربة المسرحية السودانية من الضياع، وهذا الالتزام المنهجي هو في صميم تجربة الدكتور، الذي له – كما نعلم إسهامات جليلة وأياد بيضاء على المسرح والمسرحيين في السودان منذ عقود عدة.
وأضاف أبو القاسم أن مما يحسب للدكتور عيدابي أيضاً أن أنه لم يكتفِ في جمعه للمادة بالحصر والعرض التوثيقي، بل طرح أسئلة مهمة سواء في المتن أو الهامش، واقترح مداخل جديدة لمعالجة قضايا تاريخ المسرح السوداني، كما أن منهجيته كانت تنقل القارئ عبر تسلسل زمني واضح: (المسرح الوافد، مسرح عصر النهضة، ومسرح المواسم، جهود النقاد، دليل المسرح السوداني)، كما أن الكتاب يسد ثغرة توثيقية، وتتضاعف أهميته في هذه اللحظة التاريخية التي دمرت فيها الحرب الكثير من الذاكرة الثقافية السودانية.