محطة السعادة

لؤي سعيد علاي النقبي

  • الأحد 03, مارس 2019 08:52 ص
  • محطة السعادة
شاب وعجوز وفتاة في محطة الحياة، بجانب شباك الأمنيات، يشترون تذكرة ليستقلوا حافلة الأمل، التي وجهتها محطة السعادة، إذ أُعطي لكل واحد منهم ورقة وقلم، وطُلب منهم أن يذكروا أسباب طلبهم الوصول إلى محطة السعادة.
فكتب الشاب: لا يعجبني شيء، أحس بالملل، كل شيء في حياتي لا يعجبني، أعمل ولكن لا مكانة ولا دخل، وزوجتي لا تعجبني، حياتي معها لا تعجبني، ولا أحتمل إزعاج أطفالي، لا بيتي ولا شيء في حياتي يعجبني.

أما العجوز كتبت باكيةً، اصطحبت ولدي يوماً لأريه أرضاً تصلح قبراً ابتعته لنفسي، فأعجبه المكان ورقد فيه وتركني.

وخطت الفتاة أسطرها مغلفة بالحرمان والحسرة، قائلة أحببت وكان بالنسبة لي كل حياتي، لكن أهله رفضوا ارتباطنا فكسروا قلبي، وحطموا سعادتي.

ابتسم سائق الحافلة، ورسم خط سيره، ففتح باب حافلة الأمل ليستقلها الثلاثة الباحثون عن السعادة، تحركت الحافلة بين دروب الحياة، لتكشف أسرار الرحمة التي تغلف أسباب الألم.

فتوقفت الحافلة عند منظر لأطفال مشردين، بلا مأوى ولا رعاية، ولا يد حانية تحفظ طفولتهم، ومنظر ثان لرجل يقف مستعطفاً رجلاً آخر، أن يسمح له بالعمل ولو بلقمة طعام يسد بها أفواها جائعة تنتظر عودته.

فجزع الشاب مما شاهد، وفكر قليلاً، فعلِم أن حياته جنة، وأن أبناءه في رحمة، وبعمله فهو غنى، وأن زواجه سعادة، وأن بيته جنة، لم يدرك قيمتها إلا الآن.

وتحركت الحافلة بدون الشاب، الذي نزل حامداً راضياً بما آتاه الله من فضله، وانطلقت الحافلة بين الذكريات لتوقفها إشارة الواقع، فتنظر الفتاة وترى مَنْ كان بالأمس حبيبها، فتنزل مهرولة له، لكنها تجد بجانبه فتاة، عرفتها، فتلك هي ابنة جار حبيبها، التي قال إنها كانت معجبة به، وهو لا يراها لأنه يحبها هي فقط.

فاقتربت بحذر، تاركةً مسافة بينها وبينهم، فهالها منظر الفتاة لقد كانت تذكرها جيداً جميلة، وأنيقة، فهي وردة يانعة بعكس ما تشاهده الآن، ذابلة باكية، فسمعتها تقول والدموع في عينيها، أنتَ شخص غريب الأطوار، غليظ القلب، وجارح، لم أكن أظنك كذلك، وإلاّ ما قبلت بك زوجاً، فرفع يده مهدداً بضربها، فتراجعت خائفة، فقال لها لم أكن أريدكِ زوجةً، لولا تلك الحمقاء التي كنت أريدها، ولم أستطع الوصول لما أردته منها، فتحججت أن أهلي يرفضون زواجنا، لكنني اضطررت للزواج منك لأوازن ثروات عائلاتنا، ولكزها بمرفقه بقوة ليمشيا مبتعدين، والفتاة مذهولة مما رأت وسمعت.

وتنطلق الحافلة بالعجوز لتعبر نفق الصبر، إذ شاهدت الكثير من الشباب يتساقطون في أحضان الموت تباعاً، لأسباب أليمة كتعاطي المخدرات، و مناظر لأبشع حوادث الطرق، والأهل متألمون تعلوهم الحسرات، لما آل إليه أبناؤهم، فدعت العجوز لابنها بالرحمة والمغفرة.

وتوقفت الحافلة فنزلت العجوز لتجد الشاب والفتاة يقفان بجوار لوحة كتب عليها" ارْضَ بما قسمه الله لعله خير"

فنزل السائق مبتسماً وقال موجهاً حديثه للشاب أنت في خير ونعمة، فلا تجحد، وأنتِ يا ابنتي لعله خير بأنك لم ترتبطي بذلك الفتى، وإلا كان حالك لا يعلمه إلا الله، وأنتِ سيدتي ابنك كان مريضاً، واختار جوار ربه لكيلا يشقيك تعباً وسهراً فرحمه الله من كل تعب فارضي واصبري.

ثم سلم لكل منهم ورقة كتبتْ فيها عبارة "الرضا والقناعة أسهل الطرق للسعادة".