سلطان وآخر ساعة

أحمد البيرق

  • الأحد 17, فبراير 2019 09:56 ص
  • سلطان وآخر ساعة
في آخر ساعة قبل 62 عاماً كانت البداية، وتحديداً من محطة الشارقة الجوية، حيث القاعدة البريطانية، كان ذلك الشاب ذو الـ 15 ربيعاً، على موعد لولوج بلاط صاحبة الجلالة، ليتسلم راية السلطة الرابعة.
اختاره القدر في عام 1957 للقاء الصحافي المصري جميل عارف "رحمه الله" في إحدى الاستراحات القريبة من محطة الشارقة الجوية، الصحافي القادم من الكويت مروراً بالبحرين والمتوجه إلى الهند، اللقاء لم يكن مخططاً له، بل كان هناك موقف قد حدث، استدعى تدخل هذا الشاب ليكون وسيطاً ومترجماً بين الصحافي والباعة في الاستراحة.
 
وعلم الشاب اليافع من الصحافي المخضرم، بأنه قد نزل في الشارقة وينوي التأخر على الطائرة حتى يدون مشاهداته خلسة حول التواجد البريطاني في المنطقة، وقدم الشاب نصيحته للصحافي بأن لا يقوم بذلك خشية عليه من العواقب التي لا يحمد عقباها. 
 
وكان ذاك الشاب عضواً في فريق كرة القدم التابع للقاعدة العسكرية، دعا الصحافي المصري للركوب معه في السيارة وأخذه في جولة سريعة داخل القاعدة، وقدم له معلومات وافية عن المعسكرات المشيدة لإيواء 3000 جندي قدموا من عدن وعن الطائرات الحربية الموجودة، وأنواع الأسلحة المتوزعة في أنحاء القاعدة.
 
تحمس الصحافي جميل عارف لمعلومات ومعرفة ذلك الشاب، وطلب منه أن يعينه في تقديم معلومات تفصيلية حول القاعدة البريطانية مدعمة بالصور، وبالفعل تطوع بطلنا الشاب لخوض هذه التجربة، وقام بالتقاط مجموعة من الصور وكتابة معلومات تفصيلية حول القاعدة، وإرسالها للصحافي جميل عارف في مصر.
 
كانت الأوضاع متوترة بين مصر وبريطانيا في تلك الفترة بسبب قناة السويس، ولا يمكن للشاب المراسل الصحافي الخفي والسري، أن يبعث بتلك الصور والمعلومات بشكل مباشر من الشارقة إلى مصر كونها ستمر عبر البريطانيين، اتفق والصحافي المصري، أن يتم إرسالها عن طريق الكويت وتسجل الرسالة باسم ابنة الصحافي حتى لا يبقى مجال للشك في محتوى الرسالة.
 
وفي أحداث دراماتيكية، استعان الشاب بأحد سكان الشارقة، كان يشرف على نقل الرسائل من الأهالي في الشارقة إلى أبنائهم العاملين في الكويت، وأوصاه بأن يحمل معه هذه الرسالة، وأن يضع عليها عدداً كافياً من الطوابع، وأن يودعها في إحدى صناديق البريد في الكويت.
 
وبالفعل تم للشاب ما أراد، و إذا بالصور تنشر والمعلومات تدون وبشكل تفصيلي، وكانت عنصراً أساسيا في التحقيق الذي أجراه الصحافي المصري جميل عارف في العدد 1196 من مجلة آخر ساعة الصادر في 25 سبتمبر 1957، إلاّ أن الشاب كان قد أكد على الصحافي بعدم ذكر أسمه حتى لا يدخل في حرج مع أحد من أفراد أسرته في ظل التواجد البريطاني آنذاك، إلاّ أن الصحافي لأمانته ونزاهته المهنين أشار إليه في تحقيقاته بقوله "المرافق لنا" و "الذي يرافقنا"، و توالت من بعد ذلك الرسائل من الشاب للصحافي، بها من المعلومات ما بها و فيها من الصور ما فيها، ليصبح مراسلاً صحافياً متمرساً إلا أنه خفيٌ.
 
وبعد مرور ما يقارب من 62 عاماً، تُكشف لنا هوية ذلك المراسل الصحافي الخفي، ففي بيت الصحافيين الأول في الوطن العربي "نقابة الصحافيين المصريين" تكفل بطلنا ذاك بتجهيز وإقامة معهد تدريبي متكامل للصحافيين، يحوي قاعات للتدريب النظري وأخرى للتدريب العملي، ومختبرات للتحرير الكتابي، وأخرى لتحرير الصور و استوديوهات إذاعية، وتلفزيونية مربوطة بوحدات مونتاج على أعلى مستوى، واستوديو للتصوير الفوتوغرافي مجهز بأحدث المعدات، وألقى حينها كلمة أكد فيها بأن هذا المعهد لجميع الصحافيين العرب، يقدم الاستشارات وينمي المهارات ويطور المفاهيم فالمعرفة والتعلم لا حدود لهما، وأكد كذلك على أن الكلمة أمانة يجب علينا مراعاتها والحفاظ عليها، وأنه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، المراسل الخفي لمجلة آخر ساعة.