الشارقة 24:
شارك الشعراء علي عبد المجيد النمر من السعودية، ومحمد ربيع حماد من مصر، وأفنان المرادي من ماليزيا، ومنيار العيسى من سوريا، في أمسية شعرية نظمها بيت الشعر في الشارقة، الثلاثاء، بحضور الشاعر محمد عبد الله البريكي، مدير البيت، إضافة إلى جمهور واسع من النقاد والشعراء ومحبي القصيدة والجامعة القاسمية بالشارقة.
قدم الأمسية الدكتور أحمد سعد الدين، ومما جاء في تقديمه: "يأتي لِقَاؤُنَا هَذَا فِي ظِلِّ الرِّعَايَةِ الْكَرِيمَةِ الَّتِي يُولِيهَا صَاحِبُ السُّمُوِّ، الشَّيْخُ الدُّكْتُورُ سُلْطَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاسِمِيُّ، عُضْوُ الْمَجْلِسِ الْأَعْلَى للاتحادِ، حَاكِمُ الشَّارِقَةِ، حَفِظَهُ اللهُ لِلثَّقَافَةِ وَالْأَدَبِ وَالْفُنُونِ، حَتَّى أَصْبَحَتِ الشَّارِقَةُ نَمُوذَجًا عَرَبِيًّا رَائِدًا فِي دَعْمِ الْإِبْدَاعِ وَصَوْنِ الْهُوِيَّةِ الثَّقَافِيَّةِ."
استهل القراءات الشاعر علي النمر، والذي قدم باقة من القصائد التأملية والفلسفية التي تنهل من الذات والواقع، بلغة عالية المجاز، يقول في قصيدة بعنوان "أثر المعنى":
كئيبةٌ سيرةُ المعنى على شَفَتي
وحاسرانِ لديَّ: الشِّعرُ والهدفُ
أُحسُّ أنَّ سرابَ القصدِ يَملؤُني
وأنَّني خلفَ هذا القصدِ مُختَطَفُ
أحشّدُ الشيءَ واللاشيءَ مُنتَهَكًا
وحوليَ انزاحَ مِنْ إيمانِهِ الشَّغَفُ
أَسيرُ، زَوَّادَتي همِّي، كأنَّ على
خواصِري يُولَدُ المجهولُ والصُّدَفُ
وفي قصيدة بعنوان "حلم النوارس" نراه يلزم نفسه روياً مختلفاً في كل شطر؛ مما أضفى على القصيدة بعداً جمالياً إضافياً من ناحية الإيقاع، حيث يقول:
أَمَا حَنَّ المُهَاجِرُ أَوْ تَنَدَّى
لِجِذعِ الضَّوءِ، لِلحُبِّ الزُلَالِي؟
لِشَيءٍ كَانَ مِنْ أَلَقٍ تَبَدَّا
وَشَيْءٍ كَانَ مِنْ سَرَفِ اختِيَالِي
أَضِيئِي الدَّربَ يَا قَمَرًا مُفَدَّى
وَيَا سَرَحَ التَّوَهُّجِ وَالدَّلَالِ
وَخَلِّي الجَزْرَ لِلمَفْؤُودِ مَدَّا
تَعَالِي الآنَ وَاحتَشِدِي خِلَالِي
قرأ بعده الشاعر محمد ربيع حماد، حيث قدم باقة من القصائد الوجدانية بأسلوب امتاز بلغة مجازية وإيقاعات انسيابية، يقول في قصيدة بعنوان "رجاء":
أرى ظلّيَ المكسورَ فوقَ ملامحي
كأنّي صدىً للنفسِ ذابَت دلائلُهْ
وبي شوق درويشٍ أضاع إمامَه
فأفضىٰ إلى الأقدار حيرىٰ مسائلُهُ
أنادي على التاريخِ يا شيخ رأفةً
فملّت من الظهر الحَمُول حمائلُه
رجائيَ أن أحيا زمانَ وداعةٍ
ويعلو لواءٌ ينشرُ الحبَّ حاملُهْ
وفي قصيدة بعنوان "مزار في شراييني" نلمح نبرة الألم والعتب والتحدي في الوقت ذاته من خلال حواره مع الواقع الذي يزرع الأشواك في دربه، إذ يقول:
أُحاورُني فأشقى في سُكونِي
وأضرمُ في مياه الصمتِ نارا
أخبِّئُ في جروحي ألفَ جرحٍ
وأحملُ في دمي جُرحًا توارَى
رسمتُ الصبحَ في كفِّي سلامًا
فخانَ الليلُ أحلامي العَذارىٰ
تلته الشاعرة أفنان المرادي، وهي طالبة في الجامعة القاسمية بالشارقة، حيث قدمت مجموعة من القصائد التي استقت موضوعاتها من محيطها الذي يلامس مشاعرها، تقول في إحدى القصائد، تبدو متمسكة بالتراث الشعري العربي لدرجة التماهي، لتصور غربة ذاتية وتأملا وجوديا عبر لغة أنيقة:
دموعك من هذي الغمامة أهطل
ورُزؤُك من رَضوى وثهلانَ أثقلُ
تأملتَ في بُعد المسافاتِ راحةً
من الوجد، يا بُعد الذي تتأملُ
ستجزعُ إن جد الفراقُ وأصبحت
ركائبُهم نحو البعاد تزيَّلُ
ومن قصيدة ذاتية، عالجت فيها هموم الوحدة ومعاناتها، ومكابدات الشوق، وأتت وافرة المعنى، تقول:
نفر إلى الحبيب إذا غصصنا
فكيف إذا غصصنا من حبيبِ
كأنا كالفَراش بغى فراراً
فلما فر فر إلى اللهيبِ
لعلي أن أزورَك في ظلام
فأغرق في البكاء وفي الوجيبِ
اختتم القراءات الشاعر منيار العيسى الذي اتسمت قصائده بعمق الدلالة وصدق العاطفة، حيث شكل من الوطن لوحة مؤثرة في نصه، وتغنى بحب الأم والفقد، ومن قصيدته في رثاء سماء على قيد الحياة:
قَالوا لَقدْ مُتِّ يا أمي.. فأزهقني
سيفٌ من الصمتِ في أهدابِكِ السمرِ
عَيناكِ ريحانتانِ، القلبُ نافذةٌ
وأنتِ غافيةٌ كالليل في صدري
وجهي الصحارى.. أنا المذبوحِ من عطشٍ
قولي لماء يديكِ الآن أن يجري
مِنْ أيِّ ذكرى سأمشي أيُّ فاتحةٍ
سأقرأُ الآن كي لا ينتهي أمري
وتجلت صورة الوطن واضحة وهي تعبر بحروفه على متن خطوط الدهشة، في حوارية داخلية جسدت معنى الانتماء والحب والاغتراب في آن، ومما جاء في قصيدة "على متن الخطوط":
لَقد جَلبوا الحنينَ وصوتَ أمي
حقائبُهم بُحيراتُ السَّوادِ
أفتِّشُ بينهم عن وجه أهلي
وعَن وَطنٍ يقيمُ على الحِيادِ
تحطُّ الطَائراتُ على ذِراعي
كأنَّ هَديرها تَغريدُ شَادِ
وأزعمُ أنَّ فيهِمْ بَعضَ روحي
ومَا قَدْ ظلَّ مِن أمَلي المُعادِ
في الختام كرّم الشاعر محمد البريكي الشعراء المشاركين ومقدم الأمسية.