جار التحميل...

mosque
partly-cloudy
°C,
"نزل الرفراف" في كلباء نموذج للضيافة البيئية منخفضة الأثر

"شروق" تعيد صياغة مفهوم التنمية المستدامة في البيئات الحساسة

04 يونيو 2026 / 12:37 PM
"شروق" تعيد صياغة مفهوم التنمية المستدامة في البيئات الحساسة
download-img
تعمل هيئة الشارقة للاستثمار والتطوير "شروق" على تحويل توجهات الشارقة في التنمية المستدامة بمدينة كلباء إلى مشاريع سياحية وبيئية متكاملة تجمع بين الطبيعة وتجارب الضيافة، بما يحافظ على الهوية البيئية للمنطقة. وتطوّر الهيئة نماذج سياحية تراعي خصوصية البيئة المحلية انسجاماً مع رؤية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، التي تؤكد أهمية حماية النظم البيئية كجزء من التنمية، ويُعد "نزل الرفراف" مثالًا بارزًا على هذا النهج من خلال تقديم تجربة ضيافة متناغمة مع الطبيعة.
الشارقة 24:

في مدينة كلباء، على الساحل الشرقي لإمارة الشارقة، يمكن التعرف على قصة المكان من تفاصيل صغيرة تبدو عابرة للوهلة الأولى؛ من حركة طائر مهاجر يحط بين أشجار القرم، أو من آثار سرطانات البحر المنتشرة على الرمال مع ساعات الغروب، أو من الهدوء الذي ما تزال تحتفظ به إحدى أكثر البيئات الساحلية حساسية في المنطقة.

هناك، حيث تمتد غابات القرم بمحاذاة البحر، وتتشكل الممرات المائية الضيقة بين الأشجار، تبدو الطبيعة وكأنها ما تزال تحتفظ بإيقاعها الأول، ضمن نظام بيئي ساحلي متكامل يحتضن تنوعاً واسعاً من الحياة البرية والبحرية، من الطيور النادرة والمهاجرة التي تعتمد على القرم كمحطة غذاء واستراحة خلال رحلاتها الطويلة، إلى الغزلان التي تتحرك في المناطق الطبيعية المحيطة، وصولاً إلى السلاحف البحرية والحياة البحرية الغنية التي ترتبط بهذا النظام البيئي الممتد على طول الساحل.

وتقع مناطق التعشيش الحالية للسلاحف البحرية في كلباء ضمن نطاق المحمية التابعة لهيئة البيئة والمحميات الطبيعية في الشارقة، بالقرب من مركز القرم، حيث تخضع هذه البيئات لإدارة ورقابة بيئية دقيقة تضمن حماية مواقع التعشيش الحساسة والحفاظ على هدوئها الطبيعي.

وتتميز هذه المناطق بانخفاض شبه كامل في مستويات التلوث الضوئي، ما يوفر ظروفاً آمنة ومناسبة للسلاحف خلال مواسم وصولها إلى الشاطئ لوضع بيضها، وفي حين سُجلت مشاهدات محدودة للسلاحف البحرية بالقرب من محيط "نزل الرفراف" خلال فترات سابقة، بات نشاط التعشيش اليوم يتركز بشكل رئيسي داخل نطاقات المحمية الطبيعية الأكثر استقراراً وحماية، ضمن النظام البيئي الساحلي الأوسع في كلباء.

لكن السلاحف البحرية، التي ظلت تعود إلى هذه السواحل منذ آلاف السنين، تواجه اليوم عالماً مختلفاً؛ شواطئ أكثر ازدحاماً، وإضاءة أشد سطوعاً، ومساحات طبيعية تتراجع عاماً بعد آخر تحت ضغط التوسع العمراني، إذ تشير التقديرات البيئية إلى أن أعداداً قليلة فقط من صغار السلاحف تنجح في الوصول إلى مرحلة البلوغ، بعدما تواجه منذ لحظة خروجها من الرمال سلسلة طويلة من التهديدات الطبيعية والبشرية.

ورغم أن كثيراً من المدن الساحلية حول العالم تعاملت مع التنمية بوصفها عملية توسع عمراني مفتوحة، اختارت الشارقة مساراً مختلفاً في مدينة كلباء، إذ بدأت من سؤال مختلف: كيف يمكن تطوير المكان دون الإخلال بما يجعل هذا المكان قائماً في الأصل؟

وفي كلباء، لم تُعامل البيئة بوصفها عائقاً أمام التنمية، بل بوصفها العنصر الذي يحدد شكلها وحدودها، ضمن رؤية أرساها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، تؤكد أن حماية الأنظمة البيئية جزء من تعريف التنمية نفسها.

وعلى مدار السنوات الماضية، ترجمت هيئة الشارقة للاستثمار والتطوير "شروق" هذا التوجه إلى مشروعات سياحية وبيئية تحاول إعادة صياغة العلاقة بين الضيافة والطبيعة، فبرز "نزل الرفراف"، التابع لـ "مجموعة الشارقة للضيافة"، بوصفه أحد أكثر هذه النماذج وضوحاً.

ويقع النزل داخل محمية أشجار القرم على الساحل الشرقي لإمارة الشارقة، ضمن بيئة طبيعية ترتبط بالنظام البيئي الساحلي المحيط، ويضم 40 خيمة فاخرة موزعة بعناية داخل الموقع، لتقدم تجربة إقامة توازن بين الراحة والانسجام مع الطبيعة.

وقد طُوِّر المشروع استناداً إلى دراسات تقييم أثر بيئي شاملة شكّلت الأساس لجميع مراحل التخطيط والتنفيذ، وحددت مواقع الوحدات، ومستويات الإضاءة، وأنماط الحركة داخل الموقع، بما يضمن الحد من أي تأثير محتمل على البيئة المحيطة والحفاظ على توازنها.

وانعكس ذلك على الحلول المعمارية المعتمدة، حيث صُمِّمَت وحدات الإقامة بشكل مرتفع عن سطح الأرض للحفاظ على حركة الرمال وتقليل الضغط على التربة، وسهولة نمو النباتات وعدم التأثير على الحياة الفطرية، إلى جانب استخدام مواد خفيفة تقلل من التدخل المباشر في الموقع، فيما جرى الحفاظ على النباتات المحلية الموجودة ضمن البيئة الطبيعية ذاتها.

ولا تقتصر التجربة في "نزل الرفراف" على الإقامة فقط، بل تمتد إلى التفاعل المباشر مع البيئة المحيطة من خلال أنشطة تعتمد على الهدوء والمراقبة وفهم الإيقاع الطبيعي للمكان، مثل التجديف بين أشجار القرم، واستكشاف الممرات المائية، ومراقبة الطيور والحياة البرية.

وتبرز سرطانات البحر بوصفها إحدى أكثر الكائنات حضوراً في المشهد الساحلي لكلباء، حيث تنتشر بأعداد كبيرة على الرمال خلال ساعات الشروق والغروب، قبل أن تعود تدريجياً إلى جحورها مع حلول الليل، في حركة طبيعية منتظمة ترتبط بدرجات الحرارة والمد والجزر. وتلعب هذه الكائنات دوراً مهماً في تهوية التربة الرملية وإعادة تدوير المواد العضوية داخل النظام البيئي الساحلي، فيما يتيح النزل للزوار مراقبة هذا المشهد ضمن تجربة قائمة على المشاهدة الصامتة واحترام الطبيعة دون التدخل فيها.

وقد جاء تطوير المشروع بالتنسيق مع هيئة البيئة والمحميات الطبيعية في الشارقة، بما يضمن توافقه مع متطلبات حماية الأنظمة البيئية الحساسة، ويؤكد أن الحفاظ على البيئة لم يكن نتيجة لاحقة للتطوير، بل الأساس الذي انطلق منه.

وبهذا، تبرز مدينة كلباء كنموذج مختلف داخل دولة الإمارات، حيث لا تُقاس التنمية بحجم ما يُبنى، بل بقدرة المشروع على العمل ضمن حدود الطبيعة. وكأن المدينة تطرح نموذجاً مختلفاً للتنمية؛ نموذجاً لا يسأل فقط ماذا يمكن أن نبني هنا، بل ماذا يجب أن يبقى هنا أيضاً.
June 04, 2026 / 12:37 PM

الكلمات المفتاحية

أخبار ذات صلة

Rotate For an optimal experience, please
rotate your device to portrait mode.