جار التحميل...
الشارقة 24:
في إطار احتفالاتها بمرور مئة عام على تأسيسها، جمعت مكتبات الشارقة العامة مساء الجمعة في "واجهة كلباء" نخبة من الشعراء والمثقفين والأكاديميين في أمسية حملت عنوان "أغاني البحر والشعر"، بالتعاون مع بيت الشعر في دائرة الثقافة، احتفاءً بذاكرة المكان وعمق ارتباط أهل الإمارات بالبحر والشعر؛ بحضور عدد من المسؤولين والأكاديميين والمثقفين.
وشهدت الأمسية برنامجاً متنوعاً ضم جلسة نقاشية حول النقد والبلاغة ولغة التراث في الشعر العربي الفصيح بمشاركة الشاعرين عبد الله الهدية وطلال سالم الصابري، وأدارها الإعلامي عبد الله أحمد، إلى جانب إلقاءات شعرية أضاءت على جماليات القصيدة الإماراتية والعربية، وعرض فني للأغاني البحرية والشعر البحري قدّمته جمعية الصيادين في كلباء، مع تنظيم معرض مقتنيات خاصة بالبحر والصيد أبرز عمق ارتباط المجتمع المحلي بتراث البحر وحكاياته.
وأكد الشاعر عبد الله الهدية خلال الجلسة، أنّه يعتبر نفسه صاحب رسالة يحمل مشروعاً إبداعياً ومعرفياً يفتح له أبواب الماضي والحاضر والمستقبل معاً، ليعيش التجربة بما تتيحه له الرؤية والوعي؛ موضحاً الكمّ المعرفي الهائل في هذا الزمن قد لا يترك للإنسان فرصة لالتقاط أنفاسه، غير أنّ صاحب الرسالة قادر على التعبير عنها في أي وقت، اليوم أو غداً.
وتساءل الهدية: "هل يمكن أن نحاكم زماننا بمعطيات الماضي"؟ مشيراً إلى أنّ فهم الهوية كثيراً ما يكون قاصراً، فهي لا تقتصر على كونها ميراثاً من الآباء، بل هي ركيزة تتجدد في الحاضر وتشكل أساساً لمشروع الفرد. واختتم مؤكداً أهمية العمل لإنجاز كل شخص مشروعه الخاص، قائلاً: "حتى المنفلوطي وغيره من أعلام الأدب لو انتظروا من يأخذ بأيديهم لما وصلوا إلى وصلوا إليه من أثر وإبداع".
بدوره، أشار الشاعر طلال سالم الصابري في حديثه إلى أن هذا العصر يتسم بسرعة الإيقاع، "حيث تكاد اللحظة تفلت من بين أيدينا فيما نحاول اقتناصها وسط تشتيت هائل تفرضه التطبيقات والحوارات المتعددة التي تحاصر الإنسان في كل اتجاه"، مؤكداً أن الشعر، بطبيعته، يقوم على اختزال المعاني والتكثيف الدلالي، وهو ما يتطلب من المتلقي التمهّل والوقوف طويلاً عند النص لاكتشاف مراميه العميقة.
وأضاف الصابري أنّه رغم تسارع الإيقاع العام وميول الجمهور المتزايدة نحو الاختصار، إلا أنّ المفارقة تكمن في أنّ المتلقي نفسه قد ينجذب أحياناً إلى الاسترسال، كما يظهر في الإقبال الواسع على متابعة المسلسلات الطويلة. وهو ما يستدعي – برأيه – أن يسعى المبدع إلى إيجاد التوازن بين التكثيف والإطالة، بما يلامس شغف الناس ويستجيب لتطلعاتهم الجمالية.
وتجلّت خلال الأمسية إلقاءات شعرية أضفت على الأجواء بُعداً وجدانياً رفيعاً، حيث أنشد الشاعر عبدالله الهدية قصيدة في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، استهلها بقوله:
أَستودِعُ التاريخَ ما صنعت يدي / وأسوق نفسي حيث يسمو المَطلَبُ
ومما جاء فيها:
إني أتيتُكَ يا رسولي عاشقاً / أبغي الوصالَ وبالشفاعةِ أرغَبُ
في يوم مولدِكَ الشريفِ مبايعاً / قد جئتُ يحملني إليكَ المأربُ
وتفوح في دنياي بردتك التي / من فيض جنتها دروبي تعشبُ
بأبي وأمي أنتَ يا نورَ الورى / يا من زها فيكَ الصراطُ الأصْوَبُ
كما ألقى الشاعر طلال سالم الصابري قصيدة جسّد فيها علاقة الكلمة بالوجدان، يقول في بعض أبياتها:
أمنت في وجه الغياب ترابي / وحملت عبء الحرف في تطرابي
وجهٌ له فوق الظنون وشاية / لغةٌ تثير النقع في إعرابي
كلي هنا لا شيء يأتي بغتةً / إلا مع الأحلام في أعصابي.
وتأتي هذه الأمسية ضمن المحور الثالث من محاور احتفالات مكتبات الشارقة العامة بمرور مئة عام على تأسيسها، وهو محور "آفاق الأدباء والشعراء"، الذي يهدف إلى إبراز جماليات الشعر العربي في إمارة الشارقة عبر جلسة نقاشية حول النقد والبلاغة ولغة التراث في الشعر العربي الفصيح، تجمع بين قراءات نقدية تمتد من الماضي إلى الحاضر.