سلطان العالِم المُعَلِم

حسن جمعه الرئيسي

  • الثلاثاء 14, يوليو 2020 09:36 ص
  • سلطان العالِم المُعَلِم
قد لا يستطيع القلم أن يعطي لبعض القامات العلمية و الشخصيات الإنسانية العالمية حقوقهم عند سرد سيرهم، ومن هذه الشخصيات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، فهو قامة في كل شيء، فهو حاكم، ومؤرخ، وكاتب ومؤلف ومسرحي ومهندس، وشاعر، وناقد، ومعلم، ومربي، ومؤسس جامعات و كليات، وصاحب فكر غير تقليدي... و القائمة تطول، ولكن في ذات الوقت من حق القلم أن يحاول.
إن الزائر للشارقة عاصمة الثقافة والعلم سيقف عند شخصية هذا الحاكم المحنك، ذي الحكمة والبصيرة، الذي ترجم الكثير من مسؤولية الحاكم اتجاه رعيته على أرض الواقع، وإذا عرجنا على الجانب الإنساني لهذا الرجل فهو صاحب المقولة الشهيرة التي يتداولها الكثيرون عبر مواقع التواصل الاجتماعي (حاسبوني قبل أن يحاسبني ربي).

فهذه المقولة عندما تتأملها يقشعر لها بدنك، ليس فقط لصدقها ،وقد خرجت من أعماق سلطان، ولكن هذه المقولة قد تكون تذكيراً، ورسالة لأي مسؤول بصرف النظر عن مسؤولياته ودرجة وظيفته و منصبه.

إن الحِكَم والمقولات الشهيرة عندما تُقال فإن في تخليدها ذكرى يمكن استرجاعها في بعض المواقف والأحداث، وهنا يمكن توجيهها لحكام بعض الدول الذين تَجَبَروا و تسلطوا على رقاب الناس، وجلبوا الويلات والمآسي لشعوبهم، وشردوهم في بقاع الأرض، وكأنهم فوق أية محاسبة.

وكثير من تلك الشعوب تدعوا حكامها وزعماءها أن يقتدوا بالقادة الإماراتيين و بحكومتهم الإنسانية في تسيير أمور شعبها، وحماية مواطنيها ورعاياها في جميع الأحوال، و لكن لا حياة لمن يرهن نفسه لأفكار ظلامية.

وعندما يتحدث الشيخ الدكتور سلطان القاسمي تجد نفسك أمام عالِم مُعَلِم، فهو لا يكتفي بسرد المعلومات وما في جعبته من كنوز معرفية، ولكن يحرص في حديثه أن تصل إليك المعلومة مكتملة، والمتتبع له عند سرده للأحداث التاريخية يجد نفسه يبحر مع هذا المؤرخ الذي يغوص في تفاصيل الأحداث.

كما أنه لا يتوانى أن يقطع المسافات حتى تطأ قدماه أرض الحقائق، وتتلمس يداه الآثار، وتقرأ عيناه المخطوطات،  ورغم أنه عرض الكثير من هذه الحقائق إلا أن لديه المزيد مما لم يُعرض حتى الآن.

إن عشرات الكتب والمراجع التاريخية، التي وضعها الباحث المثقف  صاحب السمو الدكتور سلطان القاسمي أخذت مكانتها العلمية كمراجع يهتدي به االباحثون عن الحقائق التاريخية، بعد أن أزال الغبار عن كثير مما تم إهماله عبر تاريخ البشرية، كأصل اللغة ومنابع الحضارات، وتصدى لمن يريد تمييع التاريخ، وأزاح الستار عما حجبه البعض من خلال تزييفهم للأحداث.

فهو لا يتعامل مع التاريخ كتصفية حسابات بقدر ما يصلح ما أصابه من إعوجاج، وتهيئته كأرضية مشتركة يُبنى عليها المستقبل بين الحضارات والشعوب، لهذا الغرض خاطب في إحدى لقاءاته الدولية الإسبان عندما كان بينهم بقصيدة جادت بها قريحته الشعرية.

ففي إحدى أبياتها قال (رعاةُ العلِمِ سأروي لكمُ ... حكايةَ التاريخِ دون ضلالِ)، وفيها أشار الشاعر سلطان القاسمي إلى دور الحضارة الأندلسية في إسبانيا و ما لاقته بعد ذلك، ولو أنني أرى في القصيدة جواً من العتب الهاديء اللطيف للوصل، وليس للقطع.

ومما يُستشف بأن تتبعه التاريخي للشخصيات والأحداث أثرت في فكره النَيِر فلهذا تجد شخصيته الإنسانية الراقية مزيج من فكر الحكماء، ودهاء القادة وحلم الأتقياء، وتواضع العلماء وخشية العُباد.

وإذا أردنا أن نقرأ كتب الشيخ سلطان، التي تم تطويعها كمسرحيات فإن نظرة سموه للمسرح أعمق من أن نقول  أنه مثقف له اهتمامات في الجانب المسرحي، فهو الباحث دائماً عن العراقة، والمسرح أبو الفنون و البعض يعتبره مدرسة الشعوب، والتي من خلالها تترجم ما يطرحه الفلاسفة من حكمهم ويطوعه البعض في المجتمع الإغريقي، و غيره لإرسال رسائلهم الإعلامية المختلفة لغياب الأدوات الإعلامية التي نراها الآن.

إن رعاية سموه للمسرح لا يمكن أن ينكرها المتتبع لهذا الفن، وما كتبه من مسرحيات لم يكن لينتهي مع عرض المسرحية، ولكن مؤلفها القاسمي ترك للمشاهد والقاريء لتلك النصوص المسرحية نصيباً لكي يأخذ دوره العملي في نقل الواقع إلى الأفضل.

وأثناء تكريمه لحصوله على جائزة الشيخ زايد للكتاب كشخصية ثقافية لعام 2009-2010، ألقى كلمة أشاد فيها بمناقب مؤسس الاتحاد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وقد كان إلقاؤه موثراً جداً، وهو يتحدث عن كيفية تلقيه خبر رحيل صديقه وصاحبه في وضع اللبنات و الخطوات الأولى في الوحدة الاندماجية حتى خيم الصمت على القاعة التي يلقي فيها كلمته المؤثرة.

وقد جاء فيها و هو يدعوا الجميع قائلاً: (أيتها الأم، أيها الأب أمسك القلم، وأجلس أبناءك حولك، واكتب وسطر هذا ما كان يحبه زايد، وهذا ما لا يحبه زايد، ثم نجمع تلك الأوراق، لا نضعها على الرفوف ولا نتغنى بها على الدفوف، و إنما نضعها في الصدور، ونضعها في مقدمة الدستور، وبهذا الوفاء قد أوفينا الرجل حقه).

إن هذه الكلمات ذات معنى ومغزى كبيرين وهي موجهة لكل إماراتي صغيراً أو كبيراً، بصرف النظر عن ظرفَيْ الزمان و المكان، فعند أي حدث أو أمر أو قرار فعلينا أن نستحضر حكمة زايد ولا نحيد عنها وبناءً عليها نعمل.