قداسة

لؤي سعيد علاي النقبي

  • الأحد 23, يونيو 2019 08:16 ص
  • قداسة
على جدران أحد المعابد الفرعونية، يرتسم مشهد للراهب جبتي، وهو يجثو على ركبتيه أمام قديس الأقداس مرتلاً متون الاستغفار والطهارة، ليقي نفسه، ومن حوله من انتهاك قداسة معبدهم، وأرضهم من قبل الرعاة المحتلين.
لكن ما خشيه الراهب حدث فعلاً، وانتهكت الحرمات في الدين، والإنسانية بلا اكتراث، ولا احترام، فالظلام نشره لوسيفر "إبليس" عبر العصور منذ بدء الخليقة، منذ أن استكبر، وأبى وأقسم بأن يدمر الجنس البشري، فبدأت طقوس الظلام، وقرعت طبول انتصاراته منذ مهبط أبونا آدم، وتوالت عبر زمن الرسل، إلى زمن نبينا محمد "صلى الله عليه وسلم".

فشهدت الأرض الأحداث الجِسام، والتوى بينها "لوسيفر" كالثعبان، ينفث سمه من حين لآخر مدمراً ومفسداً في الأرض، وبنو البشر في صراع لا ينتهي، ووجد نفوساً كثيرة، فاستمالهم لخدمته، واستخدم بعضهم لدمار أنفسهم، ومن حولهم.

هكذا كان الحال، يا أحبتي، ولا يزال منذ أمد العصور، ورغم تعاقب الحقب، ظل انتهاك قداسة كل شيء حولنا بلا حدود، فانتهكت قداسة الأراضي بالاحتلال الجائر، وسفكت الدماء بلا رحمة حتى الفناء، وحتى قداسة الأديان انتهكها ارهاب غائر، فجعل من الدين أكذوبة، ومن الإلحاد المنقذ أعجوبة، وانتهكت قداسة الجيرة بأسلوب همجي غادر، فنجدالجار يسطو على الجار مؤذياً إيّاه، ومشعلاً فتناً وحقداً.

حتى الثقافات تنتهك قداستها، فتدس بين حناياها سموم وأفكار  سلبية، كما أن الدين تزعزع، فبداخل قداسته  خيوط من الإلحاد، فتحلل المحرمات بحجة التمدن والتحضر، وقداسة تعاقب الأجيال انتهكت كذلك، فتفشت الأنانية وعدم الاكتراث، لأن الجيل السابق معقد، والجيل الجديد متحرر، ومتفرد بسيادة الوقت الحالي بأفكار مبتكرة.

ونواة المجتمع طال قدسيتها الانتهاك، عندما غيبت المودة، وتراكمت الأعباء والمشاكل ،واختل النظام لتسود الفوضى بين أفراد الأسرة الواحدة.

فلم تعد القداسة إلاّ كلمة، تسبق كل ما يراد به نقاء، وطهارة، لكن ندرت تلك المعاني، وباتت ككهل يرتقب نهايته بلا اكتراث، لأن ما حوله، لم يعد كما كان، فلم يعد له سوى انتظار النهاية في هدوء.