على قارعة الطريق

مبارك الرصاصي

  • الأحد 20, يناير 2019 10:14 ص
  • على قارعة الطريق
لم يكن يعلم أن هوايته التي عشقها، وجعلت حياته تحلق وتدور في فلكها، ستكون هي من تحلق به، في نهاية رحلته الأخيرة، ويلفظ أنفاسه تحتها، ولم يدرك حينها أن ساعة الزمن، ستتوقف عقاربها عن الدوران مع توقف نبضات قلبه عن الخفقان.
مازن ذلك الطفل الذي لم يكد يبلغ الثانية عشر من العمر بعد، عشق الطيران وتعلق به، مذ أن كان صغيراً، حتى كادت غرفته تمتلئ بألعاب الطائرات، يحلق بأحلامه في سمائها، بأن يكون أحد المختصين، والمميزين في صناعتها، أو ممن يحلقون ويطوقون بهاكطيار في المستقبل، يجوب الغيوم، ويلامس  السحاب، فلقد رسم لنفسه بآماله، عالماً خاصاً في الأجواء.
 
رغم كل الأمنيات، وبراءة الطفولة، كان هذا الصغير، يعيش العالم وحده، ورغم أنه وحيد والديه، إلا أنه لم يكن يحظى بتلك الرعاية، التي كان يريدها ويرجوها، ويعيش طفولته كما يتمناها كمن هم في عمره، بل ظل بعيداً ووحيداً  عن لمسات الحب والحنان، لابتعاد والده  بانشغالاته وسفره الدائم، كما حرم من العطف والإحسان  بفقدانه سخاء وعطاء الأم، والأغرب أنها كانت تعمل مربية للأجيال، غير أنه افتقد معها الإحساس، أحاسيس الأم قبل أحاسيس المربية ، مما جعله حبيس الوحدة محروماً من متعة الحياة، قابعاً في أركان وزوايا جسده وفكره.
 
انعكست تلك الحالة على مجريات حياته، التي رسمت فصولها، وتعثرت أحلامه وحياته  بين جدران مدرسته، حيث كثر حوله المتربصون، خاصة من السيئين، الذين عاملوه بدناءة، وتنمروا عليه بأفعالهم، وأساءوا له بتصرفاتهم، أينما وُجد وأينما كان، بل تجاوزوا خطوطهم الحمراء، فتحرشوا بالأقوال  وأزداد الأمر  إلى أبعد من ذلك، ولم يكن له من أمان يرجوه، ولا قلب يتلقفه ليشكو له، فكانت حيرته  تأخذه دائماً لهوايته التي أحبها،  ولوحاته التي ألفها، ليخرج ما به  من معاناة وحزن وآلام.
 
لأيام سوداء خلت، وليالٍ حالكة مضت، ظل هذا الظلام يحيط ويلف برقبته، لم يكن يتنفس  سوى الغصة ونزيف الجرح، وحشرجة البكاء، لم يلتفت لنجدة أحد، ولم يجد آذاناً تصغي لنوحه وندائه، لذا كان هاجسه وهمه أن يضع حداً  لهذا الكابوس المطبق، فلم يجد سوى شرفة الطابق الذي يسكنه، حيث تسلق جداره ليقف على حافته، ويحلق طائراً، كما كان يحلم ويتمنى، ليسقط هذا الجسد النحيل، على قارعة الطريق، لافظاً أنفاسه بزفراته الأخيرة.
 
هكذا بعض الأسر والبيوت، نجد فيها نماذج من  قصة "مازن"،  حكايات وأسرار واقعية، يعاني أصحابها من فقدان الحب، وفقدان الحضن الدافىء وقت البرد القارص، ويغيب الحوار العاطفي، إذ يلف الصمت المطبق المكان، فباتت الأحاديث  مع الأجهزة لا سواها، وغالباً ما تكون العواقب وخيمة، والنتائج مخيبة وأليمة.
 
فادرؤوا عن أنفسكم، وفلذات أكبادكم كل مغبة و كل مصيبة  بالاحتواء والعاطفة، وبالحب الدائم المتواصل.