سُنّة تحري يمين الإمام في المسجد

د. سيكو توري

  • الأحد 20, أكتوبر 2019 12:28 م
  • سُنّة تحري يمين الإمام في المسجد
تعد السنة النبوية هي المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي بإجماع علماء الأمة، فهي مكملة للقرآن، ومفصّلة له، وتعد مع القرآن مصدران متلازمان، لا ينفك أحدهما عن الآخر، ولا يتم كمال التشريع إلا بهما.
وفي هذا المقال البسيط تذكير بسنة من سنن السلف الصالح صحابة الرسول عليه السلام ومن بعدهم من التابعين وتابعيهم رضوان الله عليهم أجمعين، في حضور الصلاة والمجالس عامة.

إذ من السنة التي يؤجر عليها المسلم بالنية حرصه على التيمّن عموماً في كل ما هو زينة وجميل، وفي دخول المسجد وتحري الصلاة على يمين الإمام بدءًا من الصف الأول أو الثاني وفق ما أمكن.

سعى المقال إلى التذكير بهذا، وذلك بجمع الآثار الورادة في ذلك عن علماء المسلمين من كتب شروح الحديث الخاصة، علاوة على وجود نصوص كثيرة وغزيرة في كتب متون الفقه، لكن الغرض يتحقق في تقصي أمهات كتب شروح الحديث، فمن تلكم الآثار ما يأتي:

• حديث "أن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف" أي يستغفرون لمن على يمين الإمام من كل صف " رواه أبو داود والبهقي وابن حبان عن عائشة"
بإسناد صحيح، وضعّف بعض العلماء الحديث لكن الإمام المناوي صحّح إسناده في التيسير بشرح الجامع الكبير، وتعضده الآثار الآتية، ناهيك أن المسألة في فضائل الأعمال، وسيرد معنا الحديث أدناه بتصحيح الإمام ابن ماجة.


• وقد بوّب الإمام البخاري "مَيمَنَةِ المَسْجِدِ وَالإِمامِ" وإن كان الحديث في صلاة المأموم المنفرد، إلا أن فقه الإمام البخاري يعمّم الحديث عن كل المأمومين وفي كل مسجد، وتبويبه خير شاهد، ويستدل على هذا من نصّ الحديث "حتى أقامني عن يمينه" قال الكرماني في حاشية السندي على صحيح البخاري فيه دلالة على يمين المسجد، ناهيك من أن له تبويباً آخر " بَاب يَقُومُ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ بِحِذَائِهِ سَوَاءً إِذَا كَانَا اثْنَيْنِ" مما يدلّ على اختلاف الحكم مع اختلاف الحال.

• كما بوّب الإمام مسلم بقوله: استحباب يمين الإمام: وفيه حديث البراء "كنا إذا صلينا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم أحببنا أن نكون عن يمينه يقبل علينا بوجهه" وقد وافق فقه الإمام النووي هذا الرأي في شرحه على مسلم.

• ونقل ابن بطال في شرحه صحيح البخاري: "كان ابن المسيب يصلى في الشق الأيمن من المسجد، وكان إبراهيم يعجبه أن يقوم عن يمين الإمام".

• وجاء في عمدة القارئ: "وقال سعيد بن المسيب يصلي في الشق الأيمن من المسجد، وكان إبراهيم يعجبه أن يقوم عن يمين الإمام وكان أنس يصلي في الشق الأيمن، وكذا عن الحسن وابن سيرين".

• وجاء في عون المعبود: "قال أي أبو رمثة: وكان أبو بكر وعمر يقومان في الصف المقدم عن يمينه ) لقوله عليه الصلاة والسلام "لِيَلني منكم أولو الأحلام"، ثم قال: "وفيه إفادة الحث على أنه يسن تحري الصف الأول، ثم تحري يمين الإمام".

• واستدل ابن حجر في فتح الباري، بحديث يحب التيمن - عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعجبه التيمن في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله، على استحباب الصلاة عن يمين الإمام وفي ميمنة المسجد، وفي الأكل والشرب باليمين.

• ويقول ابن رجب في فتح الباري "والتبكير إلى المساجد، والمسابقة إلى الصف الأول عَن يمين الإمام أو وراءه وإدراك تكبيرة الإحرام مع اَلإِمامِ والتأمين معه وغير ذلك، وعلى أن جهةَ يمين الإمام للمأمومين الذين يقومون خلف الإمام، أشرف وأفضلُ مِن جهة يساره، وقد ورد في هَذا أحاديثٌ مصرحةٌ بذلك.

• وجاء في فتح القدير"إن الله تعالى وملائكته يصلون على ميامن الصفوف" أي يستغفرون لمن عن يمين الإمام من كل صف، والمراد يستغفرون لهم أولاً، اهتماماً بشأنهم، ثم يستغفرون لمن على اليسار، لأن الاستغفار مخصوص بهم بدليل الخبر الآتي من عمر ميسرة المسجد " رواه البهقي وابن حبان عن عائشة"، وسكت عليه أبو داود، قال في الرياض إسناده على شرط مسلم، وفيه رجل مختلف في توثيقه، وقال مغلطاي في شرح ابن ماجه سنده صحيح على شرط مسلم.

• وجاء في فتح القدير أيضاً "ندب الصلاة عن يمين الإمام، وفي ميمنة المسجد وفي الأكل، والشرب، فكلما كان من باب التكريم والتزيين، يبدأ باليمين وعكسه عكسه".

• وجاء في مشكاة المصابيح "وبوب عليه النووي في شرحه لمسلم "باب استحباب يمين الإمام"، وقيل في بيان السبب لكونه {صلى الله عليه وسلم} "يقبل علينا، أي على أهل اليمين بوجهه، أي عند السلام أولا قبل أن يقبل على من يساره"، وهكذا فإن الآثار كثيرة في هذا الباب، مما يدل على سنّية تحري اليمين في المسجد، والله أعلم.