جار التحميل...

°C,

تماسك الأسرة واستقرارها ركيزة أساسية لبناء الحضارة

September 07, 2020 / 9:09 PM
تماسك الأسرة واستقرارها ركيزة أساسية لبناء الحضارة
كثيراً ما استوقفتني الكلمات المضيئة لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة: "إن بناء الإنسان هو أعظم استثمار لبناء الأوطان"، ليس لأنها تمثل جوهراً عملياً في المجال الاجتماعي فحسب، بل لأنها تمثل نظرية اجتماعية كانت ولا تزال ركيزة أساسية لبناء الحضارات.
فلا أحد يستطيع أن يذكر على مر العصور أن حضارة قامت على مجتمع يفتقر للقيم الأسرية، بل على العكس شعت حضارات الأمم منذ وضعت الأسس الأولى لتماسك مجتمعاتها، وليس بعيداً عنا أن نذكر الحضارة العربية وهو مثال حي مازال نابضاً في تاريخنا بعوامله الواقعية.

فالجميع يعلم أن أسس هذه الحضارة العربية العظيمة قامت منذ رسم الإسلام علاقات اجتماعية متينة، ووضع أحكاماً لإنشاء الأسرة واستمرار علاقات أفرادها، بما يجعلها متميزة في كيانها وشخصيتها وأخلاقها وأهدافها، لينطلق الإنسان العربي عابراً حدوده الجغرافية حاملاً رسالة حضارية، تلقفتها الأمم بترحيب وإعجاب في مشارق الأرض ومغاربها.

ويطيب لي الاستفاضة بالحديث حتى استوفي بمقالي مقام الأسرة وحتمية دورها المجتمعي، فالحديث عن بناء الإنسان وتنمية الأسرة كجوهر للمجتمع، يحتاج سبراً لأغوار الحضارات وكينونة نشأتها والبحث عن مبعث تطورها لإيفاء جانب التنمية الاجتماعية حقها ودورها في نهضة الأمم، هذا الجانب الذي كان له الأساس في دخول أوروبا عصر التنوير والبدء بنهضتها العلمية والثقافية والاجتماعية لتبلغ ما وصلت إليه الآن من تقدم وازدهار.

وفي عملية محاكاة تاريخية نُطل كأكاديميين على النهضة الفريدة التي حققتها دولة الإمارات في عقودها الـ 5 لاستقراء فلسفتها، ورؤيتها الاستشرافية القائمة على أسس البناء المستدام لكادر البشر قبل الحجر، مُسّخرة كافة إمكاناتها من أجل بناء أسرة متماسكة.

فمنذ بدايات الاتحاد، ومفهوم تنمية الأسرة كان متواجداً في رؤى وطموح الآباء المؤسسين، وسارت على نهجه دولة الامارات، إيماناً راسخاً أكيداً أن أي تنمية لا تحمي الأسرة، ولا تســتلهم المخزون الثقــافي للمجتمع وأخلاقه، هي تنمية ناقصة مهما بلغت عائداتها، وشعار الأسرة الواحدة المترابطة كان جلياً في مؤشرات الأجندة الوطنية مستهدفاً الوصول لمجتمع متلاحم محافظ على هويته في إطار سياسات وبرامج سَنّها قادتنا الحكماء لتعيش الأسر ضمن وفاقاً واحداً، وفي كنف تشريعات ومبادرات تضمن حقوقها وتعزز من تماسكها وتطلق العنان لطاقاتها للمساهمة في بناء وتنمية وازدهار دولة الإمارات.

ولعل من نافلة القول ومن مسلمات التاريخ أن الأسرة هي عماد النهضة والعمود الفقري لها، وأن الدولة المتقدمة هي التي تتعاظم فيها التنمية الاجتماعية، وهي التي تسعى بكل جهدها إلى وضع الأطر التشريعية والتنفيذية التي تعزز من مكانة الأسرة في المجتمع، ذلك أن الأسرة تعتبر "حكومة مصغرة" تسورها معايير وتحكمها ضوابط لحماية المجتمع من كافة العوامل التي تهدد أمنه واستقراره، فإذا أصاب الوهن مفاصل البناء الأسري فإن العقد الاجتماعي بأبعاده الأخلاقية والقانونية سيصاب في بنيته.

من هنا كان حرص القيادة الرشيدة في دولة الإمارات على الاهتمام بالأسرة كمحور رئيس للتنمية، وكحاضن أول للنشء المعوّل عليهم بناء الوطن، والمشاركة في منظومة تطوره وحِراكه الاجتماعي نحو مجتمع أكثر صلابة وتلاحماً وسعادة، هذا الاهتمام الذي مكّن دولة الإمارات من تصدّر المركز الأول عربياً ضمن قائمة "أفضل الدول لرعاية الأسرة".

وجاء هذا التصدر استحقاقاً لجهود دولة الإمارات في سعيها المثمر لتكون وطن الأمان والسلام، ونتيجة طبيعية لمبادراتها المبتكرة التي ركزت على أولويات تنموية في المجال الأسري، وكان لإمارة الشارقة بصمتها المميزة في إطلاق المشاريع الرائدة لخدمة الأسرة، مستندة إلى تعدد المؤسسات التي ترعى كل فرد من أفراد المجتمع لتحقيق التكامل في تلبية معظم احتياجات سكان الإمارة، على الصعد الاجتماعية والنفسية والفنية والرياضية، بل وانتهجت الشارقة مساراً فريداً في سن تشريعات تحفظ للنسيج الاجتماعي مكانته وخصوصيته كمحكمة الأسرة وغيرها من التشريعات غير المسبوقة على مستوى المنطقة.

ويأتي اعتماد صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، المرسوم بقانون اتحادي بتعديل بعض أحكام قانون تنظيم علاقات العمل، ليتم من خلاله منح العامل في القطاع الخاص إجازة والدية مدفوعة الأجر لرعاية طفله، تتويجاً لهذه الجهود وتأكيداً "لا شك به" على حرص القيادة الرشيدة على مواصلة مسيرة الارتقاء بواقع الأسرة، وتوفير كل ما من شأنه رفاهية واستقرار الأسر.

وتبرز استثنائية هذه الخطوة بأبعادها الاجتماعية والاقتصادية ولما لها من أهمية في تحقيق الترابط والاستقرار الأسري وتحقيق التوازن بين الجنسين، وتشجيع الكفاءات الشابة للانخراط في العمل، وتعزيز بيئة العمل في القطاع الخاص بالدولة لمواءمة المرحلة المقبلة، ضمن توجهات الدولة للاستعداد للخمسين عاماً المقبلة.
September 07, 2020 / 9:09 PM

Rotate For an optimal experience, please
rotate your device to portrait mode.