قَدرْ... تُقدر

لؤي سعيد علاي النقبي

  • الأحد 17, فبراير 2019 09:39 ص
  • قَدرْ... تُقدر
يُحكى أنّ رجلاً سياسياً ذا علم وفراسة، دخل مدينة يبحث عن عمل يُناسب ما يلم به من علم ومعرفة، فكان يُنادي أنا رجل ذو فراسة وسياسة، أكشفُ خفايا النفوس، وأصلحُ بين القبائل، والمدن والبلدان.
فسمعه الحاكم، وأمر حُراسه ليأتوا به، وقال فلنتسلى بسياسته، فلما مَثُلَ بين يديه، وقدم التحية والسلام، بادره الحاكم سائلاً سمعت بأنك سائس للخيل، وأنا أحتاج لخدمتك، لتُروض فرسي، لكن الرجل اعترض قائلاً  إنه سياسي وليس بسائس، فزمجر الملك بل سائس وستعمل وإلاّ قطعت رأسك.
 
 فخضع الرجل واستلم الفرس وأمر له الحاكم بغرفة وثلاث وجبات من الرز والمرق، بعد يومين جاء الملك ليتفقد فرسه، فسأل السائس كيف ترى أصيلتي؟، فطلب الرجل الأمان ليرد على سؤاله فأعطاه الأمان، فقال إنّها أصيلة من نسل الأصائل، لكنّها لم ترضع من أمها الأصيلة أبداً، فغضب الملك وأمر بسجنه وقطع الطعام عنه، وطلب وزيره الذي أهداه الفرس، وسأله عما قاله الرجل، وعن صحته.
 
 فقال نعم يا سيدي، إنّها بنت أصائل، لكن شاءت الأقدار، أن تموت أمها بعد ولادتها مباشرة، ولم يكن لدي سوى بقرة حلوب أرضعتها منها؟ فأمر الحاكم بأن يُؤتى بالرجل من السجن وسأله كيف عرفت ذلك؟، فأجاب أما إنّها بنت أصائل فمن قوامها، وحوافرها، ولما رأيتها تلتقط الأكل من الأرض كالبقر، وعادةً الخيل تأكل من معلف معلق برقيتها ففهت أنّها لم ترضع من أُمها. 
 
فأمر الملك أن يُضاف الدجاج لوجباته، وأمره بالانضمام لحاشية الملكة، وحين أحضره الملك وسأله ما رأيت من أمر الملكة، فاضطرب الرجل، وطلب العفو لكن الملك أصر، وأعطاه الأمان، فقال يا مولاي إنها تربية ملوك وبلاط القصور، لكنها ليست من أصول ملكية، فاشتاط الحاكم غضباً، وأمر بسجنه، وقطع الطعام عنه.
 
 وذهب إلى المملكة المجاورة شاهراً سيفه بوجه أبويها مصراً على معرفة الحقيقة، فقالت له الملكة لقد وعدنا أباك الملك بابنتنا زوجة لك منذ الصغر، لكن الموت سبقنا إليها، وكان أبوك ظالماً، فكان لدينا غجر بالمدينة أجلبناهم، ووجدنا هذه الفتاة اليتيمة، فربيناها اتقاء شر والدك.
 
 فعاد الملك لمملكته، وطلب الرجل وسأله كيف عرفت ذلك عن الملكة؟ فقال، لأن هناك غمز بعينها اليسرى لا يكون إلاّ عند الغجر، فكافأه الملك بخروف مشوي وضمه لحاشيته الخاصة.
 
 وبعد فترة سأله ما رأيت مني؟ فحاول الرجل الهرب، وما استطاع وأعطاه الأمان عندما طلب الأمن، فقال مولاي لسْتَ بابن ملك فجن جنونه، وركض لأمه سائلاً مهدداً، فقالت له كان أبوك ظالماً، وعقيماً، إذا تزوج، ولم تنجب زوجته خلال سنة ذبحها، فكان لنا طباخ تزامن حمل امرأته بزواجي بالملك فعطف لحالي وأعطانيك، فأصبحت ملكاً، وعتقني من الذبح. 
 
فجاء بالسياسي، وسأله كيف عرفت؟، فأجابه مولاي إنّ الملوك تكافئ بالذهب، وأنت كافأتني بالطعام من مرق ودجاج وخراف، وإن غضبت حبستني، وحرمتني الطعام وتلك عادة الطباخين وليس الملوك.
 
أحبتي، نستفيد من القصة، بأن لا نستهزئ، ولا نقلل من قدر الناس، فكُثر هم منْ يملكون البصر، ونُدر هم من يملكون البصيرة، فقدر يا صديقي تُقدر ويعز شأنك.