بريد القراء: هل نحميه من الصحيفة أم من القراء؟

أمل عنبر بشير علي

  • الثلاثاء 29, مارس 2016 10:07 م
  • بريد القراء: هل نحميه من الصحيفة أم من القراء؟
لا يختلف اثنان على أن بريد القراء يعتبر صورة من صور التواصل بين المؤسسة الصحفية وجمهورها.

وقد تزايدت أهمية بريد القراء بعد ظهور وسائل الاتصال الأخرى، وإعادة تشكيلها لأنماط العلاقة بينها وبين جماهيرها، فأخذت الصحف تفتح المجال للتحاور والتفاعل مع قرائها من خلال تخصيص مساحات على صفحاتها تحت مسمى "بريد القراء"، لتقف بذلك أمام قوة البرامج الحوارية التلفزيونية والإذاعية، ولتواكب مفهوم التفاعلية الذي يثمن دور الجمهور ويؤكد أهميته في التأثير على التوجه التحريري للمؤسسات الإعلامية.

وفي الحقيقة يفترض أن يكون بريد القراء بمثابة منبر حر للتعبير عن الآراء والأفكار إلا أن استخدامه بدأ يحيد عن ذلك إذ أصبح ينساق وراء ثنائية المدح والهجاء، فما يصب في تمجيد المؤسسة الصحفية أو الجهات التي تؤيدها يصبح قابلاً للنشر، وفي ما عدا ذلك يختم بالشمع الأحمر، بل الأدهى والأمر ما تقوم به العديد من الصحف من استغلال بريد القراء لطرح الآراء والأفكار التي لا تتجرأ على المجاهرة بها أو تخشى التصريح بها، فتقوم بدسها بين ثنايا المراسلات الواردة، فضلا ً عن التجاوزات الأخلاقية التي تنطوي على تكليف القائم على البريد بكتابة المراسلات والرد عليها بنفسه وما في ذلك من استخفاف وامتهان لعقل القارئ، أما بالنسبة للصحفي الذي انتقل للعمل من صحيفة أخرى فقد يطلب منه انتقادها أو تعريتها والكشف عن خباياها تحت اسم مستعار، كل هذه الممارسات ستفضي بطبيعة الحال إلى وجود تطابق بين الأسلوب الذي تكتب فيه المواد والمواضيع الأخرى في الصحيفة وبين المحتوى المقدم عبر البريد، مما يجعلنا نتساءل ما إذا كان بريد القارئ يعبر فعلاً عن صوت القارئ أم ما هو إلا صدى صوت الصحيفة ؟!.

 وما يثير السخط فعلاً أن الصحيفة معنية فقط بنشر الرسائل الواردة أو رميها في سلة النفايات، إلا أن بعض الممارسات غير الأخلاقية كشفت عن قيام بعض رؤساء التحرير بتوصيل تلك الرسائل، وخصوصاً في حال استخدام الاسم الحقيقي والعنوان، للجهات المعنية الأخرى، فيذكر أن عاملاً بإحدى المؤسسات الوطنية الجزائرية بعث برسالة لإحدى الصحف الجزائرية، يشتكي من التعسف في استخدام السلطة، وإهدار الأموال العامة، إلا أنه وفي المقابل تعرض للعديد من المضايقات كما تم فصله من العمل، فهل من حق رئيس التحرير أن يقدم على هذا العمل غير الأخلاقي ؟ هل يحق له أن يزعزع الثقة التي أولاها القارئ للصحيفة؟ وهل هذا يتناقض مع المطالبات المستمرة للصحفيين بالحفاظ على سرية المصادر؟!.

في المقابل نجد أن العديد من القائمين على البريد يعبرون عن استيائهم من المراسلات التي تردهم من القراء، فعدم إدراك القارئ لسياسة تحرير الصحيفة وعدم معرفته بسياسات النشر ومحظوراته يجعله يقع في بعض المزالق، التي قد تحمل في طياتها الكثير من القذف أو التشهير فيصبح البريد بشكل أو بآخر ساحة لتصفية الحسابات الشخصية، ومن ناحية أخرى فإن عدم إلمام القارئ بأساليب الكتابة الصحفية تجعل من الصحفي يرى بأن ما يصله من بريد يشبه إلى حد ما "الكلمات المتقاطعة"، والتي تحتاج إلى إعادة صياغة أو تحرير، وبالإضافة إلى ذلك لا ننسى بأن الصحيفة نفسها تتلقى، في اليوم الواحد، العديد من الرسائل ما يفوق طاقتها وقدرتها على النشر، كل تلك الأمور جعلت من بريد القراء يخضع للغربلة ولمقص حارس البوابة، وليس من باب المبالغة إن ذكرنا بأنه يعاني من مقص الرقيب بشكل أكبر من بقية المواد الصحفية، إذ بإمكان الصحفي أن يتجاهل الرسائل كلياً، أو أن ينشرها بعد الحذف والبتر، أو التعديل، أو أن يحورها لتأخذ منحى مغايراً تماماً للمراد منها، والقارئ لا يمتلك الحق في رفع دعوى قضائية للتعبير عن احتجاجه أو اعتراضه على الإجراءات التي تتخذها الصحيفة إزاء مراسلاته.

إن استخدام بريد القراء يتعرض للعديد من أشكال التحريف من قبل الصحيفة ومن قبل القارئ، الأمر الذي حدى ببعض الصحفيين والجمعيات المهنية للمطالبة بوضع عدة آليات لحماية البريد من الصحيفة ومن القراء، إذ أكدوا على ضرورة الاهتمام بالبريد من خلال توثيق كافة المراسلات التي ترد للصحيفة، بالإضافة إلى تكليف أحد مسؤولي الصحيفة بالإشراف على البريد وتقديم تقرير حول نشاطه والمعوقات التي يواجهها للجنة التحرير، أما على مستوى القارئ فهو مطالب بالتوقيع باسمه الصريح على ما يكتب أي عدم التستر وراء الأسماء المستعارة، وأن يرفق الرسالة بصورة من بطاقة الهوية ليتحمل كامل المسؤولية الجنائية والمدنية على تبعات نشر رسالته.

والجدير بالذكر أن انتشار الإنترنت وتطور تكنولوجيا الاتصال ولد بيئة اتصالية تفاعلية حوت على العديد من الوسائط الإعلامية المتجددة من بينها الصحف الإلكترونية التي تعتبر امتداداً للصحف الورقية والمطبوعة بما فيها من تبويب ومواد ومحتويات تحريرية، بل وحتى بريد القارئ الذي أصبح يمثل تغذية مرتجعة سريعة إزاء ما يتم نشره عبر الصحيفة، مما ساهم في توسيع دائرة التفاعل بين طرفي العملية الاتصالية، وهذا ما جعل البعض يتساءل عن أهمية بريد القراء الإلكتروني والمكانة التي سيحظى بها في المستقبل، خاصةً وأنه يستثمر الخصائص التي توفرها الشبكة العنكبوتية كالتفاعلية والآنية وغيرها، فهل سيصبح البريد الإلكتروني بما يتيحه من إمكانيات، الوجهة الجديدة التي سيتخذها القراء منبراً لمن لا منبر له؟! وهل سيفضي ذلك للمزيد من إقبال المتصفحين على استخدامه في مقابل التخلي عن مراسلة الصحيفة بالبريد التقليدي؟!.

إن المتمعن للمشهد الصحافي الحالي سيجد أن واقع استخدام بريد القراء الإلكتروني في الصحف العربية لايزال يخضع لمختلف أشكال التحريف التي عانى منها البريد التقليدي، فضلاً عن الصعوبات التي تحول دون تفعيل دوره وتأكيد أهميته في إيصال أصوات القراء للقاعدة الجماهيرية العريضة، فاستعمال الأسماء المستعارة والمصادر الإلكترونية المجهولة عادةً ما يثير تساؤلات حول مصداقية البريد، وغاياته التي تشوبها الضبابية والتضليل، كما أن انخفاض مستوى الوعي التقني والفني من جانب بعض المحررين، وعدم توافر الوقت الكافي يجعلهم لا يتابعون المراسلات الإلكترونية الواردة، فيضطر القارئ للجوء للوسائل التقليدية السابقة كالفاكس، أو البريد التقليدي للتأكد من وصول مراسلاته، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن صلاحية إدراج المقالات أو المواضيع التي يرسلها القراء تعهد لمجموعة من الفنيين أو التقنيين الذين لا يملكون خلفية حول أساليب التحرير الصحفي، لذا فالأغلب أنهم ينشرون ما يتناسب ومستوياتهم أما البقية فمصيرها الإتلاف.

كل تلك الأمور وغيرها قلصت من فعالية البريد الإلكتروني في الصحف العربية، ولكن يبقى التساؤل الأهم الذي يتبادر في أذهاننا هو: هل تلك الآليات-التي طالب بها الصحفيون والجمعيات المهنية، كفيلة بحماية البريد من الصحيفة أم من القراء؟!.

المراجع:

* لعياضي، نصر الدين.(2004). وسائل الإعلام والمجتمع: ظلال وأضواء. دار الكتاب الجامعي. العين.