الفضاء التدويني العربي... بين حرية التعبير المنشودة والمنظومة الأخلاقية المفقودة

أمل عنبر بشير علي

  • الأربعاء 16, مارس 2016 08:32 ص
  •  الفضاء التدويني العربي... بين حرية التعبير المنشودة والمنظومة الأخلاقية المفقودة
"ماذا سيحصل لحياتك الرقمية بعد موتك؟"، أثار هذا العنوان فضولي من الوهلة الأولى، الأمر الذي دفعني إلى قراءة المقال الذي كتبه عمر الحمدي على مدونة "عالم التقنية... أخبار التقنية بين يديك"، بحثاً عن إجابة لهذا السؤال الذي لم يخطر لي، يوماً، على بال.

تحدث الكاتب في مقاله عن سياسات عدد من التطبيقات الرقمية في الفضاء الإلكتروني، وطرق تأمينها لبياناتنا ومعلوماتنا، وكيف ستتعامل مع المحتوى الرقمي الذي قمنا بكتابته ونشره عبر مواقعنا ومدوناتنا، أو حساباتنا على جوجل، وفيسبوك، ويوتيوب، وتويتر،وإنستغرام بعد الموت، أطال الله بأعماركم، والانقطاع الدائم عن استخدامها.

وقد ركز الحمدي في حديثه عن المحاور السابقة على البعد التكنولوجي، مشيراً إلى أن بعض ذلك المحتوى، الذي صرنا نصبح ونمسي على كتابته ونشره وبثه، سيختفي من فضاء الويب، وينتهي بعد رحيلنا عن هذه الحياة الدنيا، أما البعض الآخر فسيبقى ليحصد عدداً من المشاهدات، تاركاً "بصمة خير"، أو برأيي، قد يخلف "وصمة عار"، ترسخ في أذهان متصفحي تلك التطبيقات.

وأنهى الحمدي مقاله بنصيحة يقول فيها: "وختاماً، سواء أتانا الأجل قريباً أم بعيداً، فلنكمل مشوارنا ورحلتنا في هذه الحياة الدنيا، ولتكن رحلة مليئة بالخير والإحسان، ولننثر درر كلماتنا وجميل إبداعاتنا عبر هذه الخدمات والمنصات، ولنحسن نوايانا، ونخلص لله أعمالنا، كي نسعد في الدنيا والآخرة".

ما أن فرغت من قراءة المقال حتى بدأت بالتمعن في ملامح المشهد المعلوماتي الراهن، وفي المحتوى العربي الرقمي على وجه التحديد، من زاوية طغى عليها البعد الأخلاقي أكثر من غيره، فواقع الحال يشير إلى بروز بيئة افتراضية جديدة، فرضت أنماطاً تواصلية حديثة في الفضاء العمومي الهابرماسي. ويرى المُحتفون بالإعلام الجديد، في خطاباتهم الطوباوية، أن هذه البيئة الجديدة قد تمثل مخرجاً لأزمة الديمقراطية في مجتمعاتنا العربية، أو على الأقل حلاً لأعراضها وأمراضها؛ فالمنظومة التواصلية الحديثة شهدت نقلة نوعية من نموذج الإعلام الرسمي أو الإعلام النخبوي الذي تحتكره السلطة (الدولة، والنخبة)، إلى نموذج تفقد فيه الأخيرة قدرتها على الاستئثار بحق إنتاج المعرفة والنشر، وهو ما دفع بالبعض للمشاركة والكتابة في الفضاء التدويني، فضلاً عن النقاش حول قضايا الشأن العام في مختلف المنصات والمنابر الرقمية.

والجدير بالذكر أن هذه التغييرات في البيئة الافتراضية أوجدت أشخاصاً فاعلين، ساهموا في إنتاج المعارف وإثراء المحتوى الرقمي، من خلال مختلف آليات "صحافة المواطن" بشكل عام والمدونات خاصة، فالعديد من المدونات أضحت تقدم محتوى يشبه إلى حد كبير ما تنشره وسائل الإعلام الكلاسيكية، بل وقد تتفوق عليها بميزة السبق الصحفي، مما دفع بالبعض لاعتبار المدونين "منافسين جدد" للصحفي على مكانته الاجتماعية وشرعية خطابه.

ومما لا شك فيه أن ظهور المدونات في الوطن العربي قد ارتبط بوجود ظروف سياسية، واقتصادية، واجتماعية، وثقافية معينة، تعايش معها المواطن العربي، تأثر فيها.. وانفعل بها، الأمر الذي أفضى إلى بحثه عن فضاء يعبر من خلاله عن رأيه وأفكاره، ويفصح عبره عما في مكنونه. وقد وفرت تلك المدونات للمواطنين العرب ذلك الفضاء الذي أتاح لهم إمكانية إنتاج المعلومات وتداولها، أو إن صح التعبير، منحهم سلطة جديدة قد تتجاوز السلطة التي ارتبطت بما كان يعرف مسبقاً بالإمبراطوريات الإعلامية العالمية.

ويبدو أن الانتشار الاجتماعي للشبكة المعلوماتية ساهم في توفير بيئة ملائمة لظهور وازدهار المدونات، فباتت تأثيراتها (المدونات) ملموسة على مختلف المستويات، مما حدا بالبعض للتعامل مع التدوين كصحافة لها قيم ومواثيق أخلاقية ينبغي احترامها والالتزام بها. وتقول عائشة بن طويلة في حديثها عن أخلاقيات التدوين في مقال "دعوةٌ للتدوين... إحياءً للثقافة المنسية! -3-: لماذا ندون؟!):" باعتبار أن الكلمة أمانة كان لزاماً على المدونين تحري الدقة والموضوعية في الطرح، مراعين في ذلك الضمير الإنساني والحس الأدبي والشفافية ضماناً للحياد، وما ذلك إلا محاولة لإثبات أحقية التدوين في الاستغناء عن سلطوية الرقيب التي تحاول تكميم الأفواه وقتل الأفكار". 

وعلى الرغم من تزايد أعداد من يعرفون بـ " الصحفيين المدونين"، إلا أننا لم نشهد حتى اليوم، على حد علمي، ميثاق شرف موحد يجسد المعايير الأخلاقية التي يفترض أن تتسم بها المدونات بشكل عام؛ وذلك نظراً للطبيعة العالمية للشبكة العنكبوتية، إذ أن العديد من المحاولات التي بشرت بميلاد "ميثاق شرف تدويني" لم تتجاوز عن كونها دليلاً إرشادياً لما يمكن القيام به، وما لا يحبذ القيام به، وهي بذلك تمثل محاولة في سبيل تحديد المبادئ التي يفترض أن يتبعها المدونون كالمسؤولية والمساءلة، والتي تحتل نواحي ضيقة في منظومة المعايير الأخلاقية.

كما أن غالبية الدراسات والأبحاث المتعلقة بأخلاقيات الممارسة الصحيفة في البيئة الإلكترونية تناولت ضرورة إيجاد إطار أخلاقي لعمل "الصحفيون الإنترناتيون" دون الخوض في المعايير الأخلاقية التي يفترض أن يلتزم بها المدونون على وجه التحديد. 

وأرى بأن هشاشة الإطار الأخلاقي الذي يحلق في إطاره المدونون، أدى إلى ظهور العديد من الممارسات الغير قانونية باسم الديمقراطية والحرية المنشودة، إذ أصبح البعض يعبر عن رأيه وفكره دون قيود، حتى وإن تضمن ذلك استخدام العبارات الغير لائقة  كالسب والتجريح، أو إثارة النعرات الطائفية، أو التحريض على العنف والكراهية، الأمر الذي أثار جملة من المطالبات، من قبل أطراف عدة، بضرورة متابعة ما يكتبه وينشره أصحاب المدونات المستقلة، أو تلك التي لا تندرج تحت مظلة مؤسسة إعلامية، ليس من أجل فرض الرقابة على المحتوى، وإنما لمراعاة الجوانب الأخلاقية التي يقتضيها أي نشاط إخباري وإعلامي في البيئة الافتراضية؛ لما لها من تأثير على أرض الواقع. 

وأخيراً، إن سلمنا جدلاً، بأن التدوين العربي يمر بمرحلة " الفوضى الخلاقة"، كما يرى البعض، فلابد ألا يكون التغيير بغرض الإصلاح وإعادة البناء على حساب قيمنا وثقافتنا العربية وموروثنا التاريخي العريق، وإنما ينبغي أن تؤطر هذه القيم والثقافة الأصيلة منظومة الأخلاق التي يدون في إطارها المواطنون العرب.