معالم الخطاب الإسلامي المعاصر في دولة الإمارات العربية المتحدة

د. سيكو توري

  • الخميس 04, أكتوبر 2018 09:29 ص
  • معالم الخطاب الإسلامي المعاصر في دولة الإمارات العربية المتحدة
اتسمت دولة الإمارات بمظاهر إسلامية واضحة للعيان، فالإسلام جزء جوهري من هويتها وثقافتها، إذ تجد العديد من المساجد والمصليات، والآذان يرتفع في بقاعها، والمراكز الدينية لخدمة الإسلام منتشرة في ربوع أراضيها الشاسعة.
فجهود الأوقاف والشؤون الإسلامية معروفة، كما أن الإعلام يخصص برامج دينية متنوعة، حتى البرامج الأخرى تتخللها ثقافة الفكر الديني. 
 
وبما أن الحديث عن التدين والالتزام قد يتباين، إذ يتضمن عِلماً، وثقافةً، واجتهاداً، وفقهاً، وعُرفاً، ومكاناً، وزماناً، لذا، وفي محاولة لتحليل معالم الخطاب الديني المعاصر في دولة الإمارات، وُجد أنّ أهم خصائصه:
  
1- الوسطية المنضبطة: أي مراعاة التيسير ورفع الحرج، فلا مغالاة، ولا تنطع "أي التكلف" ولا تشدد، بل "افعل ولا حرج"، جاء في موقع الأوقاف " الإرشاد والتوجيه الديني في الدولة ترسيخ لمبدأ الوسطية"، وفي المركز الرسمي للإفتاء " التيسير في الفتاوى، والبعد عن الغلو والتشدد".
 
2- تعددية التدين: لا يُحصر الإسلام في فتاوى معينة، أو آراء اجتهادية ما، ويُنكر على الباقي، "فالاجتهاد لا ينقض باجتهاد مثله"، و" لا يُنكر على مجتهد قول".
 
3- مراعاة درجات التدين: فمنهم المسلم السابق إلى الخيرات، يجتهد على السنن ويواظب عليها، ومنهم المقتصد، يكتفي بالواجبات وبعض السنن، ومنهم الظالم لنفسه، يضيع بعض الصلوات ولا يؤدي سنناً، وفي كل هذا خير، ولا يلزم الناس جميعاً، بأن يكونوا على أعلى درجات التدين، وإن كانوا يُحثّون بالمواعظ على التزام السنن.
 
4- التقنين والانضباط: في ظل وجود آراء، وأقوال كثيرة تنسب إلى التدين بالإسلام، هذا قول ابن مسعود، وذاك رأي ابن عباس، وترى السيدة عائشة هذا، اقتضى الإجماع والنظام بوجود ضابط، وكان هذا سبب تدوين الموطأ، ومجلة الأحكام العدلية.
 
واختارت دولة الإمارات "الإفتاء بموجب المذهب المالكي في العبادات باعتباره المذهب الرسمي للدولة، مع مراعاة تقديمه في المسائل الأخرى بحسب حال السائل، واعتماد فتاوى المجامع الفقهية في القضايا المعاصرة".
 
5- مراعاة الأعراف: للعرف اعتبارٌ في الشريعة لا في إنشاء الأحكام، فقد تكفّلت نصوص الوحي بذلك، بل لتوجيه الأعمال وضبط الأحكام، أو جعل العادة عبادةً بالنية، ومن هنا فإن الخطاب الديني يستأنس بالعرف، ويراعي العرف المحلي، ولا يلزم الآخرين بالأعراف المحلية.
 
6- الإيجابية والإنتاج: جُعل الخطاب الديني عنصر عمل، وبناء، وريادة، وابتكار، وصلة، واحترام، وأمن، وأمان، واستقرار، وطمأنينة، وسكينة، ووقار، لا مِعول هدم، وخراب، والصيد في الماء العكر، أو بث العداوة والكراهية، وإيغال الصدور بين الناس باسم الدين.
 
 وتُبنى المسؤوليات على العرف العربي الرصين، يحترم الصغير الكبير، ويرحم الكبير الصغير، ويشفق الغني على الفقير، " الانتماء للوطن، طاعة ولي الأمر.. الابتكار، والتعلم المستمر".
 
7- الشمولية: فالدين حاضر في كل شؤون الحياة، يراعي الرياضي، والمدرس، والموظف، والمدير، والمذيع يستشهد بآيات، وأحاديث، ويرجع إلى العلماء، أما المسؤولون فإنهم يراعونه ويعيشونه "حاسبوني قبل أن يحاسبني ربي"، "أنا مسؤول أمام ربي".
 
8- المعاصرة والمواكبة: أي الإيمان بأن الدين ليس تخلفاً، ولا يعني العيش في الماضي، بل عنصر عمارة، وبناء حياة كريمة، وسعيدة، يحتضن الجديد النافع، ويحث على الحضارة.
 
9- الرفاهية والعيشة الهنيئة: وذلك بمقتضى ما منّ الله به من نعم وخيرات على هذه الدولة رزقاً من لدنه، فإن الرفاهية أصبحت من معالم الحياة فيها، مقارنة بما دونها في كثير من دول العالم، فبناء مساجد كبيرة وجميلة معدة بأجمل وأحدث الاحتياجات والخدمات ظاهرٌ للعيان، وتزيين المصاحف، وتبخير المساجد، وانعكاس الرفاهية على ملبس الناس، ومراكبهم، وزينتهم عند كل مسجد، والإسلام ليس دين الفقر والفقراء فحسب، بل دين الجميع.
 
10- العالمية: بناءً على "رحمة للعالمين"، والعالمية تعني التنوع والتباين، والخطاب الديني يراعي ذلك، ويظهر في كل ركن من أركان الدولة، حيث يعيش فيها ما يقرب من 200 جنسية، كما يتجلى في الإمامة، والوعظ، والإرشاد.
 
11- التسامح والانفتاح على المخالف: فمنطلق الاعتزاز بالدين الإسلامي الحنيف هو القناعة، والحرية الدينية، وقد يجتمع الناس ويتعاملون فيما بينهم دون أن يكون الدين عائقاً، والكل يتمتع بحريته في اتباع دينه دون المساس بدين الآخر بسوء. 
 
فقد رحب النجاشي بأتباع الدين الجديد دون أن يمس ذلك من دينه ومن ملكه، فوزارة "التسامح" في دولة الإمارات وغيرها، تسعى إلى نشر هذا الوعي.
 
فلئن كانت هذه دراسة تحليلية لمعالم الخطاب الديني المعاصر في الإمارات العربية المتحدة، فحري بباقي المجتمعات، والأمم الإسلامية الاستفادة من هذه التجربة، التي تعدّ عنصراً مهماً لتجديد الدين، ويجدر بالآخرين أيضاً معرفة هذه المعالم.