لَيْسَ الإيمانُ بالتَّمَنِّي..... لا يعد حديثاً

مجموعة الدراسات الحديثة بجامعة الشارقة

  • الخميس 09, أغسطس 2018 12:11 م
  • لَيْسَ الإيمانُ بالتَّمَنِّي..... لا يعد حديثاً
لَيْسَ الإيمانُ بالتَّمَنِّي ولا بالتَّحَلِّي، ولكنْ ما وَقَرَ في القَلْبِ وصَدَّقَهُ العَمَلُ، هذا القول، اشتهر بين الناس، بل شاع بين المثقفين والبرامج التي تذاع على الناس، وفي اللوحات الجدارية، لكنه ليس حديثاً، ولا تصح نسبته للنبي صلى الله عليه وسلم.
والسبب في هذا الاعتقاد أنّ هذا الحديث مشهور في بعض الكتب التي بين أيدي الناس على أنّه من كلام النبيّ، ومن هذه الكتب مثلاً: تفسير البيضاوي، وتفسير السلمي، وغيرهما.
 
وقد اعتمد هؤلاء وغيرهم على رواية من طريق قتادة عن الحسن البصري، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، أنّ النبيّ قال: "ليس الإيمان بالتمنّي ولا بالتحلّي، ولكن ما وقر في القلب وصدّقه الفعل، العلم علم باللسان وعلم بالقلب، فأمّا علم القلب فالعلم النافع، وعلم اللسان حجّة الله على بني آدم".
 
والحقيقة أنّ هذا الحديث لا تصحّ نسبته بحال إلى رسول الله. 
 
والسبب أنّ في إسناد هذا الحديث متهماً بالكذب ومتروكاً، فالمتهم بالكذب هو عبد السلام بن صالح الهروي، والمتروك هو يوسف بن عطية الصفار الأنصاري، فالحديث في أسوأ درجات الضعف.
 
ولا يغترّ أحد بما أورده اللالكائي بسنده، من طريق محمد قال: حدثني أبي قال: حدثني مالك قال: حدثني أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقته الأعمال، والذي نفسي بيده! لا يدخل عبدٌ الجنةَ إلا بعمل يتقنه. قالوا: يا رسول الله! ما يتقنه؟ قال: يحكمه".
 
فهذا إسناد باطل؛ لأنّه من رواية محمد بن عبد الرحمن بن مجبر بن عبد الرحمن، قال عنه ابن عدي: "حدّث عن الثقات بالمناكير، وعن أبيه عن مالك بالبواطيل"، ثمّ أورد له هذا الحديث نفسَه وأحاديثَ أخرى، ثمّ قال:" وهذه الأحاديث عن مالك بأسانيدها بواطيل، وله من البواطيل غيرُ ما ذكرت".
وعلى هذا، فلا يجوز لأحد أن ينسبه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 
ولكن رواه بعض العلماء من قول الحسن البصري رحمه الله، ذكر هذا جماعة من العلماء منهم ابن تيمية وابن القيم والسيوطي وغيرهم، بيد أنّ نسبته إلى الحسن البصري واهية؛ لأنّ طرق هذا الحديث إلى الحسن أيضاً ضعيفة كما ذكر ذلك كثير من العلماء.
فأنت ترى أنّ هذا الحديث لا يصحّ نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومَن نسبه إلى رسول الله، بعد العلم بذلك، فهو داخل في الوعيد الشديد من رسول الله، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "من كذب عليّ متعمداً فليتبوّأ مقعده من النار"، وقوله صلى الله عليه وسلم: "من حدّث عني بحديث يرى أنّه كذب فهو أحد الكاذبين".
 
وأمّا نسبته إلى الحسن البصري فهو محلّ شكّ، ولكن لا بأس بروايته عنه بصيغة التمريض، والاستفادة من معناه.
 
وأمّا معناه فهو صحيح جداً، فإنّ الإيمان الحقيقي ليس بالدعاوى العريضة، ولكنّه باليقين الصادق، وهذا أمر لا يعرفه إلاّ الله تعالى، ولكن يدلّ عليه الالتزامُ بهذا الدين والعملُ بأركانه.
 
والخلاصة التي نستفيدها من هذا البيان أن نعلم أنّ هذا الحديث الذي يتداوله الناس بينهم ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم أصلاً، وإنّما هو منسوب إلى الحسن البصري إن صحّ ذلك، وأمّا معناه فهو صحيح، والله أعلم.