عَلِّمُوا أوْلاَدَكُمْ السِّبَاحَةَ والرِّمَايَةَ ورُكُوبَ الخَيْلِ.. لا يعتبر حديثاً

مجموعة الدراسات الحديثة بجامعة الشارقة

  • الخميس 13, سبتمبر 2018 07:45 ص
  • عَلِّمُوا أوْلاَدَكُمْ السِّبَاحَةَ والرِّمَايَةَ ورُكُوبَ الخَيْلِ.. لا يعتبر حديثاً
"عَلِّمُوا أوْلاَدَكُمْ.. رُكُوبَ الخَيْلِ" قول مشهور، يتداوله الناس، ويظنّ كثير منهم حديثًا مرفوعاً إلى النبيّ، وقد أخرجه الدَّيلمي عن طريق سليم بن عمرو الأنصاري، عن عم أبيه، عن بكر بن عبد الله الأنصاري بإسناد ضعيف.
ولفظه " علموا أبناءكم السباحة والرماية، ونعم لهو المؤمنة مغزلها، وإذا دعاك أبواك فأجب أمك "، ولم يذكر فيه "ركوب الخيل".
 
قلت: وهذا إسناد ضعيف، سليم بن عمرو الأنصاري مجهول؛ قال عنه الذهبي: "روى عنه علي بن عياش خبراً باطلاً، وليس هذا بمعروف"، ثم ساق له هذا الحديث.
 
ورواه البيهقي من طريق أحمد بن عبيد، عن أبيه، قال: حدثني قيس، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر مرفوعاً: " علموا أبناءكم السباحة والرمي، والمرأة المغزل". 
 
ثمّ قال عقبه: "عبيد العطار منكر الحديث".
 
والحديث من هذا الطريق ضعيف جداً، لأنّ فيه أكثرَ من علّة قادحة.
 
وأورده أيضاً البرهان الحلبي في سيرته، دون أن ينسبه لأحد، بل قال: وجاء "علموا أولادكم السباحة والرمي"، وفي رواية “الرماية"، وفي رواية أخرى "علموا بنيكم الرمي فإنه نكاية العدو".
 
لكنّ أكثرَ العلماء جعلوه من كلام عمر بن الخطاب، فقد كتب إلى أهل الشام أن "علموا أولادكم السباحة والرمي والفروسية". 
 
وفي رواية: كتب عمر رضي الله عنه لأهل حمص، "علموا أولادكم السباحة والرماية والفروسية والاختفاء بين الأغراض".
 
وهذا الحديث، وإن لم يكن من كلام المعصوم صلّى الله عليه وسلّم، إلاّ أنّ معناه صحيح، إذ هو دعوة إلى امتلاك وسائل القوة المادية، وتربية النشء على القوة الجسدية، حتى يستطيعوا أن يؤدّوا ما عليهم من عبادات شرعها الله لهم، وأن يقوموا بواجبهم في الدفاع عن حمى الدين والوطن، ويعمروا الأرض، امتثالاً لقوله تعالى: {واستعمركم فيها}، قال المفسرون: يعني طلب منكم عمارتها.
 
وفي قوله صلّى الله عليه وسلّم: "المؤمن القويّ خير وأحبّ إلى الله من المؤمن الضعيف " إشارة إلى هذا المعنى.
 
قال القرطبي: "المؤمن القويّ البدن والنفس، الماضي العزيمة، الذي يصلح للقيام بوظائف العبادات من الصوم، والحج، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصبر على ما يُصيبه في ذلك مما يقوم به الدين، وتنهَض به كلمة المسلمين.
 
فهذا هو الأفضل والأكمل، وأما من لم يكن كذلك من المؤمنين، ففيه خيرٌ من حيث كان مؤمناً، قائماً بالصلوات، مكثّراً لسواد المسلمين، ولذلك قال "وفي كلّ خير"، لكنه قد فاته الحظّ الأكبر، والمقام الأفخر". 
 
والخلاصة أنّ هذا الأثر، وإن لم يكن حديثاً قاله النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، إلاّ أنّه أثر عن صحابيّ جليل، ثمّ إنّ معناه صحيح، جاءت نصوص الشريعة الأخرى لإقراره واعتباره.