أَلِــفبائيات ثقافة التسامح في القرآن الكريم " الجزء الأول"

د. سيكو توري

  • الخميس 14, مارس 2019 09:23 ص
  • أَلِــفبائيات ثقافة التسامح في القرآن الكريم " الجزء الأول"
التسامح في اللغة العربية، وغيرها من اللغات، لا تعني بالضرورة التجاوز عن المسيء، والمقصر في حق الآخر فحسب، إنما يذهب المعنى لأعمق من ذلك كبذل الخُلُق الكريم وإبراز الجُود، والكرم في المعاملة مع الناس كافة، هذا أبسط معاني التسامح عموماً.
وفي القرآن الكريم خاصة، يجد المتتبع لآيات الذكر الحكيم وتعاليمه السامية، أن الشمولية والعالمية من خصائص الأخلاق القرآنية، وهذا يعني أن المسلم مطالب بأن يكون ذا خلق حسن، وعظيماً ليس مع بني جنسه فحسب، أو من يشترك معهم في النسب، أو البلد والجنسية، أو الدين والمذهب، أو من يعمل معهم، بل يتعدىّ الخُلق القرآني كل ذلك ليشتمل على المظاهر الأخلاقية الأخرى.

يضاف إلى هذا، أنه قد يظن البعض أن الاهتمام بثقافة التعايش أمر جديد في الإسلام، أو طارئ فيه، إلاّ أنه في الحقيقة أمر جوهري في الإسلام، وفي ثقافة سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يعرف القرآن الكريم أية إشكالية في التسامح مع الناس، سواء المتفق، أو المخالف معه.

ومن ألفبائيات تكريس مبدأ التسامح، وتقرير ثقافته في القرآن الكريم ما يأتي بيانه، مما أرساه القرآن من قواعد كلية، وضوابط عامة في تربية المسلم على قبول الآخر في التعامل،

فمن هذه المبادئ القرآنية ما يأتي:

1- مبدأ الإقرار بوجود الآخر: الإقرار هنا ليس من باب الصحة وعدمها، بل الوجود، لا يجد القارئ لكتاب الله، أنه لا يوجد في الكون إلا دين واحد، أو لا ينبغي أن يكون في الوجود إلا دين واحد، بل على العكس من ذلك، سرد القرآن الحديث عن أديان أخرى موجودة " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ".

ففصّل -مثلا- في النصرانية تفصيلاً، يدرك القارئ بذلك أهم تعاليم الديانة النصرانية، ولا بدّ أن هذا الإقرار يقود إلى التسامح لا الصراع بالضرورة.

2- مبدأ شمولية كلمة الدين على كل دين: كلمة دين مفهوم كلّي، وهو ما يدل على إيمانٍ يفسر سرّ الوجود، لكن مصداق هذا المفهوم هو الأديان القائمة.

وقد أطلق القرآن كلمة الدين، أو مشتقاته، على كل ما هو دين، ولم يحصر استخدامه في الإسلام فقط، "وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ"، " إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَاعْتَصَمُواْ بِاللَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا"، ".

وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ" (72)، وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ"، "وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ"، " هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ"، "، سياقات هذه الآيات تدل على أن الدين أطلق على غير الإسلام.

3- مبدأ الاختلاف سنة كونية: يبين القرآن أن العقل الذي تميز به الإنسان مدعاة اختلاف وتعدّد، وأن عالم الناس ليس كعالم الملائكة، وهذه الحقيقة إرادة إلهية، أوجد الله الكون عليها، ولذلك خلقهم ليصح الابتلاء الدنيوي، والجزاء في الآخرة، "وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ".

4- مبدأ حرية التدين: خلق الله الإنسان ليعبده، لكن لم يلزمه قسراً وجبراً على عبادته، وربط الله المحاسبة والمجازاة على اختيار الإنسان لأفعاله.

ومن هنا أعطى القرآن حق الاختيار لكل شخص، وهذا تسامح وتجاوز، ومن أدلة حرية التدين في القرآن، "لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ"، "لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ"، "لكم دينكم ولي ديني"، ومن هنا كانت هذه الآيات أخباراً، وليست إنشاءً، فلا يدخلها النسخ.

5- مبدأ الكرامة الإنسانية: الإنسان مخلوق مكرّم من أول يوم له، بل قبل أن يوجد، وله سجد الملائكة احتراماً وتبجيلاً، وذلك لما امتاز به من عقل وقدرة على تدبير الكون، " وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً"، " إنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً".

فمخلوق كهذا يُعطى حقَّ الحياة، وحق الاحترام رغم الاختلاف، لأن الله أكرمه لإنسانيته، وإن كان بالإسلام يزداد مكانةً.

6- مبدأ سنة التدافع: وهذا من لوازم ما سبق، ففي ظل تنوع الآراء والمقالات، وفي ظل التعددية الدينية والفكرية، فلا بدّ لكل فريق السعي للحفاظ على حقوقه وضمانها دون تعدٍّ على الآخر، وإلاّ لسعى القويّ – بحق أو باطل - إلى محو الضعيف.

ومن هنا فلا بد من قوانين تحمي الجميع، الأكثرية والأقلية، وهذا جزء مما يدخل في المقصد الأول من مقاصد الشريعة "حفظ الدين" وهذا المبدأ عام، أي يحفظ دين المسلمين من التعدي عليه، كما يحفظ دين المواطنين والذمين أو المعاهدين غير المسلمين في بيئة إسلامية، وفي الحضارة الإسلامية.

ويعرف هذا المبدأ بـسنة التدافع " وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ " إذ القوي غير المتبع لثقافة التسامح، وغير المحترم لحق الآخر في الحرية الدينية يأكل الضعيف.

وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا "، لاحظ أن الآية ضدّ هدم الصوامع، والبيوع والصلوات والمساجد باسم التدين.

7- مبدأ محاسبة الله العباد: يقال الأديان من قبيل الضدين لا يجتمعان، وقد يرتفعان، فلا يمكن الجمع بين أكثر من دين من حيث القناعة، وهذا يستلزم اختيار الإنسان لدين ما، ويترك محاسبة صاحب الدين الآخر إلى الله يوم القيامة، وليس ذلك من مهام الإنسان، " إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ"، "ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ".

فقد تكفّل الله بمحاسبة العباد يوم القيامة، لذا سمي بيوم الحساب ويوم الجزاء.

8- مبدأ حصر مهمة الأنبياء في الدعوة لا إلزام الناس، أو محاسبتهم: فيرسل الله الرسل عليهم السلام مبشرين، ومنذرين، إذ يبلغون رسالات الله لإقامة الحجة عليهم، ولتصح محاسبتهم يوم القيامة، ولا يكون النبي بعد ذلك حفيظاً عليهم، أو مسيطراً، وليس للأنبياء فرض الهداية على أقوامهم، "فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ"، " فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ"، " مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا" ولا بدّ أن هذا من دواع التسامح، يعني أقبل المخالف، وأتعامل معه رغم اعتباري عدم وجود الحق في دينه.

9- مبدأ التسامح في تلبية مهمة الأنبياء: المنهج القرآني في الدعوة إلى الله تنفيذاً لما يجب على الأنبياء القيام به، وواجب الدعوة يكون بإحدى الركائز الثلاث الآتية: الحكمة، والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، رغم جحود الجاحدين، وتكبر المبطلين وطغيان الفاسدين، "اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى" وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ." ولا شكّ بأن العلماء ورثة الأنبياء.

10- مبدأ الأخلاق والبرّ والقسط في التعامل مع الناس: بما في ذلك صاحب الدين الآخر، ولا يعني الاختلاف في الدين المصدامة، أو العداوة قط، "لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ، وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ".

فالعدل وحسن الخلق مبدأ إسلامي رصين، لا يتجزأ "وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ"، " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى".

11- مبدأ صحة مصاهرة صاحب الدين الآخر "الكتابية": من شمولية الإسلام، وضع ضوابط تكوين الأسرة مراعاةً لمقصد التناسل وتلبية للفطرة، وأن معايير الاختيار منوطة بما يضمن نجاح الأسرة، ومن هنا نجد أن القرآن أباح للمسلم الزواج بالكتابية، وتكاد المسألة تكون إجماعاً.

علماً، أن معتقد أهل الكتاب زمن رسول الله، هو نفس معتقد أهل الكتاب في زماننا، ومن الجميل استحضار أن المسلم والمسلمة المشتهرين بالزنا علانية في المجتمع لا يجوز الزواج منهما "الزَّانِي لا يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ "، وذلك لوجود ما يمنع من استمرار مقصد حفظ النسل، أو العرض بالرغم من الاشتراك في الدين.

وبعد فإن ثقافة التسامح أصيلة ورصينة في الخطاب القرآني، وليست جديدة في الفكر الإسلامي، وإن قويت دوافع الحديث عنه في هذا العصر أكثر من ذي قبل، بحكم العولمة وتطور التواصل الإنساني، وسهولته، فاقتضى الخطاب الإسلامي الجديد تكثيف الضوء على هذا الموضوع مما يبرز التطبيق العملي لنظريات وسطية الإسلام.

وعليه، فأحسب أن البيان واضح، ونصوص المفسرين وأقوال أهل العلم في التراث الإسلامي كثيرة جداً، إلا أنه بعد هذا البيان قد يتساءل متسائل بــ ماذا عن هذا وذاك وكيت وكيت.. فأقول لتلكم الأمور مفاهيمها ومقاصدها، واليقين لا يزول بالشك، أو الجهل، واسألوا أهل الذكر.