أثر التسامح في البناء الحضاري الإنساني

د. قذافي الغنانيم

  • الخميس 24, يناير 2019 04:43 م
  • أثر التسامح في البناء الحضاري الإنساني
إن الاختلاف في العقول والمدارك، والتباين في الأفكار سنة من سنن الله عز وجل في الكون، وظاهرة طبيعية في الوجود البشري، قال تعالى: "ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين"-الروم:22.
وقال تعالى: "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين"-هود:118.
 
ومفاد هذا التباين في الثقافة والفكر أن تتنوع التصورات والآراء بين الخلق، وتمدّ جسور التواصل، والتعارف بينهم، وتتلاقى الأفكار، وتتبادل الخبرات الإنسانية في سبيل تحقيق مقاصده من التضامن والتعاون، والنهوض بكل ما فيه خير ونفع للوجود الإنساني.
 
قال تعالى: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير"-الحجرات:13. 
 
وإذ يلزم من العيش المشترك في ظل هذا التباين والتنوع، وتحصيل أهدافه ومقاصده، ضرورة نشر قيمة التسامح، وترسيخها فكراً وسلوكاً بين أفراد المجتمع، وتعميمها ثقافة عامة في جميع مؤسساته من أجل تعزيز مبادئها وأحكامها في جميع ممارساتها وأعمالها.
 
لأن التسامح من القيم الإسلامية الأصيلة ذات البعد الإنساني، الذي يسهم في تحقيق غاية خلق الإنسان من إعمار الكون بالبناء والتطوير في مجالات الحياة كافة، من خلال الاستفادة من الخبرات الإنسانية المتاحة من معرفة وثقافة وعلوم، وتبادلها بين أفراد المجتمعات، وبه تتلاقى الأفكار والثقافات المختلفة التي تعمل على بناء مجتمعات قوية، قادرة على مواجهة جميع صعوبات الحياة ومتطلباتها.
 
 وهذه القيمة النبيلة تجد أصلها في العديد من النصوص القرآنية تشهد لها بالاعتبار، والالتزام بها في أقوالنا وأفعالنا، ومنها ما ورد في قوله تعالى: "وقولوا للنّاس حُسناً"-البقرة:83، وقوله تعالى: "فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك"-آل عمران:159،وقوله تعالى: "فاعف عنه واصفح إن الله يحب المحسنين"-المائدة:13، وقوله تعالى: "فاصفح الصفح الجميل"-الحجر:85، وقوله تعالى: "فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون"-الزخرف:89، وقوله تعالى: "وأحسنوا إن الله يحب المحسنين"-البقرة:195، وقوله تعالى: "إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون"-النحل:90.
 
وأما ما يشهد على أصلها من السنة النبوية بالاعتبار ما ورد في قوله صلى الله عليه وسلم: "أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة"، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "السّماح رباح"، وقوله صلى الله عليه وسلم: "رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى"، وما روي عن أبي إمامة مرفوعاً: "ثلاث من أخلاق المؤمن: الملاطفة، والمسامحة، والمباذلة"، وقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما أنا رحمة مهداة"، وما روي عن ابن عمر قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءه رجل من الأنصار فسلم عليه ثم قال: يا رسول الله أي المؤمنين أفضل؟ قال: "أحسنهم خلقاً"، وغير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على اعتبارها خلقاً رفيعاً في ديننا الحنيف.
 
ودلالة هذه النصوص وغيرها تؤكد البُعد المقاصدي لسلوك التسامح من احترام إنسانية الإنسان، بغض النظر عن أصله أو فكره، والتفاعل الايجابي في التواصل للمساهمة في البناء والعطاء لخدمة الإنسانية، وتقديم كلّ ما فيه فائدة ونفع لها، وهو عين الدور الحضاري الإنساني للتسامح في الإسلام، بما يمثله من نقطة قوة، وعامل بناء في المجتمع الإنساني على اختلاف أعراقه وأصوله ولغاته ودياناته. 
 
وذلك لأن أثره يتحقق في الأمن الاجتماعي، الذي يتطلب توفير بيئة اجتماعية مستقرة، قوامها الانسجام، والسلام، والأمن، والتعايش داخل المجتمع الواحد، والتعاون على المستوى الدولي بما يحقق الدور الحضاري الإنساني لها، وأساسها المحبة، والإخاء، وروح التعاون، والتضامن، والعمل الجماعي، والاحترام المتبادل، وقبول الآخر، ونبذ جميع عوامل الهدم من التعصب، والحقد، والكراهية، والغلو. 
 
ومن هنا أضحى من المعلوم بداهة أن التسامح أصبح في واقعنا المعاصر ضرورة اجتماعية للعيش المشترك في الوجود الإنساني، ونقل رسالة الإسلام، وقيمه الخالدة إلى البشرية بالمودة والحكمة التي رسمها لنا ديننا الحنيف.
 
وهذا يتطلب من الجميع العمل الدؤوب على تكريس ثقافة التسامح، التي تؤمن باحترام الغير في تربية النشء في المؤسسات التعليمية، وتوعية الناشئة بأهمية اتخاذه منهج حياة في بناء العلاقات الإنسانية مع الآخر، وفق سنن الاختلاف والتباين التي خلق الله "عز وجل" الناس عليها، لما للمعنى الإنساني المتأصّل في مضمونه ومدلوله، والذي يعدّ جامعاً مشتركاً بين الناس، من المساهمة الحضارية للمجتمعات في العطاء والإنجاز، وتحقيق الرفعة والريادة للجميع.
 
غير أن الغير ملزم بعدم الإخلال بالنظام العام للمجتمع الذي يعيش في كنفه، أو منافاة الآداب العامة له، وأن يرتسم في تصرفاته وسلوكياته احترام قيمه وعاداته وتقاليده بما تمثل من أصالة في التعامل مع الغير وقبوله، بغية تحقيق التوازن بين ما له، وما عليه من التزامات في سبيل تحصيل أهداف التسامح المنشودة، ومقاصده المعتبرة، في الخير للجميع.