تاريخ النقد في إمارة الشارقة

الدكتور معتز محمد عثمان

  • الإثنين 05, أكتوبر 2020 09:21 ص
  • تاريخ النقد في إمارة الشارقة
إن جميع البحوث المتقدمة والمعاصرة والتي تناولت عملية الكشف عن تاريخ النقد في دولة الإمارات العربية المتحدة تؤكد على نتيجة واضحة وموثقة وهي بأن عملة دولة الإمارات العربية المتحدة مثلها مثل غيرها من بقية عملات دول العالم مرت بعدة مراحل.
 وبما أن إمارة الشارقة هي جزء هام وإحدى الأعمدة القوية في بنيان هذا الاتحاد، وهذا العقد الفريد للإمارات السبع ، فقد تم تقسيم هذه المراحل إلى مرحلتين:

أولاً:المرحلة التي سبقت قيام الاتحاد وهي التي شهدت تنوع وتضارب كبير في العملات.

ثانياً: مرحلة ما بعد قيام الاتحاد والوصول للمرحلة الحالية، وهي قيام المصرف المركزي في دولة الامارات العربية المتحدة بإصدار درهم الإمارات والذي يتكون من 100 فلس.

إن من أهم الأسباب التي ساعدت على نجاح إمارة الشارقة بالوصول لهذه المكانة المرموقة، هي بسبب انفتاح حكامها منذ نشأت هذة الإمارة الباسمة، وأيضاً لاتباع قيادتها الرشيدة أسلوب تحفيز وتشجيع شعبها على التجارة وعلى احترام التعاملات بكل مجالاتها على الصعيد الداخلي والخارجي.

حيث أصبح شعارها هو احترام كافة المواثيق والتعاقدات بينها وبين بقية دول العالم، وبالإضافة لهذه الصفات المميزة لحكومة وشعب الإمارات بوجه عام، وإمارة الشارقة بوجه خاص نجد أن موقع إمارة الشارقة يعتبر من أفضل المواقع الاستراتيجية في المنطقة وبالأخص تواجدها في عمق كيان دولة الإمارات العربية المتحدة،مما أهلها إلى التربع على أفضل المواقع الاقتصادية ولتصبح من أهم المراكز التجارية في المنطقة.

ولكل هذه الأسباب مجتمعة دفعت شيوخ وأهل إمارة الشارقة والإمارات الأخري المكونة لنواة الاتحاد قديماً إلى التحرك بقوة إلى العالم الخارجي، سعياً وراء التجارة ولطلب الرزق وإلى إقامة تبادلات تجارية مع بلدان العالم.

وهذا بدوره فتح لهم المجال للتعرف على حضارات الشعوب التي يرحلون إليها، والتعامل معها والاستفادة من خبراتها، ولهذا نجد أن جميع هذه الرحلات وبحكم صفتها التجارية، أتاحت لشعب الإمارات الفرصة للتداول بشتى ومختلف أنواع العملات المتداولة بتلك البلدان، والتعامل بها لإنجاز معاملاتهم التجارية، وأدى ذلك لتنوع ورواج معظم هذه العملات في معظم الإمارات، وذلك في غياب تواجد عملة وطنية للتداول داخل الإمارات قديماً قبل قيام الاتحاد .

هذا بالنسبة للتعاملات الداخلية ،أما بالنسبة لمعظم التجار من خارج الدولة وهم التجار الأجانب، فقد قاموا بجلب عملات بلادهم أيضاً ليتم التداول بها في المعاملات المحلية، ولهذا السبب يمكن معرفة السبب وراء انتشار عملات لدول أجنبية وحتى نهاية الحرب العالمية الأولى.

ومن هذه الدول النمسا وكانت العملة الريال النماسي، ولكنه كان يعرف بالريال الفرنسي أو ريال الملكة تريزا، وبعد هذه الفترة نجد دخول وسيطرت الروبية الهندية البريطانية على السوق، وأصبحت هي العملة الوحيدة المتداولة في جميع الإمارات قديماً قبل الاتحاد.

وبعدها تم الاعتماد لفترات متقاربة على العملات المحلية للدول الخليجية المجاورة وذلك بسبب سبق هذه الدول بإصدار عملاتها المحلية، ولكن أخيراً تم تحقيق هذا اإانجاز الكبير وهو إعلان قيام اتحاد الإمارات السبع والقيام بإصدار العملة الوطنية المحلية والجديدة للدولة، وهو درهم دولة الإمارات العربية المتحدة.

إن إمارة الشارقة وهي جزء لا يتجزأ من اتحاد الإمارات العربية المتحدة كانت، ومازالت تواكب حركة وعجلة الانفتاح الاقتصادي والثقافي والاجتماعي، وإذا تمعن القارئ معنا نجد خلال سردنا لهذه النبذة والمقدمة البسيطة عن تاريخ النقد لدولة الإمارات العربية المتحدة بوجه عام وعن إمارة الشارقة بوجه خاص ومنذ نشأتها لم تكن منغلقة على نفسها بل على العكس من ذلك اتجهت إلى الانفتاح على جميع الشعوب.

وسعيت بخطوات سريعة وطموحة إلى الاتصال بمختلف الشعوب والحضارات الأخرى، وأصبحت في وقت قصير مثلها مثل بقية الإمارات ملتقى ومزيجاً لجميع الجنسيات والثقافات من جميع أنحاء العالم، ولذلك نجد تنوع كبير وغنى من الثقافات والتي جلبت معها أيضاً أساليب وطرق مختلفة استعمل فيها هؤلاء عدة أنواع ومسميات وأصنافاً متنوعة من العملات، ولذلك نجد أنفسنا بين عملات رومانية وإغريقية وإسلامية والكثير الكثير من مختلف الحضارات.

اللقي الأثرية ( المسكوكات) :

إن حملات أعمال التنقيب الأثري في إمارة الشارقة مستمرة للكشف عن آثار الإمارة الزاخر وذلك بتوجيهات ومتابعة مستمرة من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حاكم إمارة الشارقة"حفظه الله" ، وقد تم توثيق مجموعة من اللقي الأثرية الكبيرة خلال عمليات التنقيب في موقع مليحة في السجل التاريخي لإمارة الشارقة بوجه خاص وفي سجل تاريخ المنطقة عامة .

وأيضاً الاكتشافات الهامة في وادي الحلو وهو موقع يعود إلى العصر البرونزي، حيث يهمنا هنا ونحن نتناول الحديث عن تاريخ النقد في المنطقة، وبالتحديد في إمارة الشارقة بأن هذا الموقع يعتبر قديماً من أهم مراكز تعدين النحاس، وصب السبائك البرونزية وذلك بأكتشاف مجموعة من ورش صهر المعادن وخبث النحاس وعدد من السنادين والمطارق المستعملة في عملية التعدين.

وقد قامت الجهات المختصة في إمارة الشارقة بالحفاظ على هذا الارث التاريخي الكبير بإجراء البحوث الدقيقة، والتي أسفرت وطبقاً لنتائج تحليل الكربون المشع لعينات تم الحصول عليها من الموقع بأن هذا الموقع الأثري الهام يضم طبقات أثرية تعود إلى الألف الثامن قبل الميلاد وحتى العصر الإسلامي.

وأخيراً تتضح لنا أهمية موقع إمارة الشارقة والتي تفسر لنا ولجميع الباحثين والمهتمين في مجال تطور مراحل النقد والعملات في تاريخ المنطقة بوجه عام وفي إمارة الشارقة بوجه خاص، حيث تؤكد جميع الشواهد واللقى الأثرية على حقيقة تلك المنطقة والتي كانت ومازالت تفتح نافذة على حضارات يرجع تاريخها إلى مئات الآلاف من الأعوام وصولاً لفترة ما قبل ظهور الإسلام كجزء أساسي من طرق القوافل التجارية.

مرضوف القواسم:

مرضوف القواسم، هي عبارة عن عملة نادرة تم تداولها في المنطقة قديماً والتي إن دلت على شئ فإنما تدل على قوة القواسم في الساحة التاريخية لهذه المنطقة، ولكن نظراً لقصر عمر تداولها كما يبدو ولمحدودية البقعة الجغرافية التي تم التداول بها لم يلقى بالضوء عليها بالصورة الكافية، ونظرًا لندرتها تطلب منا البحث والتحري حتى وصلنا إلى ضالتنا المنشودة وهي بزيارتنا إلى دارة الدكتور سلطان القاسمي للدراسات الخليجية والتي قمنا بأخذ بعض الصور منها لهذه العملة النادرة.

وهي من الممتلكات الخاصة بصاحب السمو حاكم الشارقة، ويجدر بنا الإشارة إلى أن هذه الدارة قامت بجهود مميزة في إلقاء الضوء على هذه العملة النادرة، حيث ذكر بأنها عبارة عن بيزا لعملة نحاسية صغيرة الحجم وزنها 49،6 جرام، وقد صدرت هذه المسكوكات النادرة في الشارقة ولنجة وقد تم سك  هذه العملة في عام 1247 للهجرة وبالتحديد في لنجة الموافق (1831 – 1832م).

ويلاحظ كتابة معلومات تعريفية عن هذه العملة كالتالي: "حكام القواسم بين قلة من الحكام العرب من دول الخليج الذين يطالبون بحق عملهم في وقت مبكر، وقد أصدرت المسكوكات في الشارقة ولنجة".











مرضوف القواسم



لقد أجمعت المصادر التاريخية على حقيقة واحدة مفادها بأن بروز القواسم كقوة بحرية ضخمة وقوية في منطقة الخليج العربي لم يأتي من فراغ وإنما جاءت هذه القوة لمقاومة الهجمات الاستعمارية والأطماع الشرسة على خيرات المنطقة وللسيطرة على أهم الممرات المائية، ولقد كان النشاط البحري والتجاري للقواسم في ازدياد وبلغت هذه القوة ذروتها في العشر سنوات الأولى من القرن التاسع عشر حيث تشير معظم المصادر التاريخية بأن القواسم هم في الأصل أهل بحر واحترفوا في مجال التجارة البحرية والملاحة والغوص على استخراج اللؤلؤ بالإضافة لصيد الأسماك، حيث كانت هذه المجالات هي وسائل كسب عيشهم ولكنهم تحولوا الى محاربين أشداء تحت ضغط الأطماع الاستعمارية للدول الأوربية وعلى رأسها بريطانيا وإلى إثبات وجودهم والحفاظ على سيادتها ومصالحها فى منطقة الخليج العربي، ولقد قدمت قوة القواسم مقاومة بطولية عنيفة ضد محاولات الحملات البريطانية المتكررة للقضاء على نفوذ القواسم في منطقة الخليج العربي وعندما فشلت هذه المحاولات للقضاء على هذه المقاومة الباسلة، اتجه البريطانيون إلى إجراء مفاوضات مع القواسم وتوقيع اتفاقيات تضمن السلم لسفن الأطماع الاستعمارية في المنطقة ومنها سفن شركة الهند الشرقية البريطانية.

وللحديث عن هذه البطولات المشرفة والباسلة والصراعات المريرة يطول ويتطلب مجلدات وليس كتاب، وكل ما يهمنا هنا هو الربط بين هذه القوة الكبيرة في منطقة الخليج العربي وبين قيام حكام القواسم بسك هذه العملة حيث تتضح لنا الصورة بأن انتشار قوة القواسم وأسطولهم الذي سيطر على عمليات النقل البحري والتجاري في المنطقة مما ممكنهم من بناء قواعد وموانئ بحرية استراتيجية لهم وعلى رأسها جزيرة قشم في مضيق هرمز وأيضًا لنجة وشيناص ولافت والعديد من النقاط البحرية الهامة والتي تعتبر مواقع إستراتيجية بحرية هامة على مداخل الخليج العربي، ولقد ازداد نفوذ القواسم في المنطقة على نحو بارز وبالأخص في الفترة من 1804 – 1805م. ولهذه الأسباب والنجاحات المتلاحقة والـقـــيادة القــــوية والنفوذ الاقتصادي القوي قام القواســـــم بسك عــــملة خاصة بهم وهي هذه العملة النادرة التي بين أيدينا وهي عبارة عن بيزا لعملة نحاسية لقبت بمرضوف القواسم وهي دلالة قـــــوية على ظهور قوة القواســـــم في القـــــرن السادس عشر، وقد حـــفر عليها كلمة السلطـــــــان نسبة لأول حاكم (سلطــــان بن صقـــر بن راشــد القاســمي) .

في الختام اسأل الله العلي القدير القبول وأن نكون قد وفقنا بهذا العمل وذلك الجهد المتواضع بتقديم صورة راقية عن عملات هذة الإمارة الباسمة وهذا البلد الغالي على الجميع وأن تكون هذه النبذة المتواضعة هي البداية إلى الاستمرار في إلقاء الضوء على توثيق هذا التاريخ العريق والكبير لمراحل تطور النقد في دولة الامارات العربية المتحدة بوجة عام وفي إمارة الشارقة بوجه خاص. والحمدلله أولًا وأخيرًا واسأل الله العلي القدير أن يجعل هذا العمل كله خالصًا لوجهه الكريم.
المؤلف د/معتز محمد عثمان
الشارقة