رحل نصير الفقراء

مبارك الرصاصي

  • الأربعاء 29, يوليو 2020 10:53 ص
  • رحل نصير الفقراء
ليس كل من يرحل عنك، قد تشعر بفقده ورحيله، أو حتى تتذكر له من إفعاله وأقواله، ولكن هناك من إذا رحل عنك، أخذ معك الحياة كلها وآلمك، وتركك مع شتات وتوهان الروح، وهناك من البشر من تبهرك بساطتهم، حتى تجعل منهم عظماء في عيون الناس، وتنصبهم على قلوب البشر، بمحبة عطائهم وصدق أخلاصهم، فيرحل المرء وتبقى ذكراه العطرة، ويترك خلفه سيرته الناصعة، تتوارثها الأجيال بالدعوات الصادقة.
رحل من ذاع صيته بين الفقراء، الدكتور محمد مشالي، مَنْ لقب بطبيب " الغلابة " من سخر حياته وجهده وتعبه ووقته، للفقراء والمعدومين والمساكين، يقول : الرسول صلى الله عليه وسلم " أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس "

رحل نصير الفقراء في دربه لخالقه، وسيترك فراغاً في حياة الكثيرين، من الآلاف، والملايين المصريين، الذين سيرفعون أكفهم للتضرع لله، لما قدمه من خدمات جليلة للإنسانية، مَن منح للحياة القليل من الرضا، وقنع بالقليل من السعادة.

ولخص مبادىء الأخلاق، من الإحسان والصدقة والزهد، وجبر خواطر الضعفاء، بتخفيف ألام المرضى، ومعاناة البسطاء من التكاليف والأتعاب، من أمتلأ قلبه بالعطف والرحمة، على أبناء أمته، واحتواهم ونفعهم بعلمه وعمله، مَن سيدعون له في كل ليل وأطراف النهار، وستبكيه العيون التي أسعدها، وتحزن من أجله القلوب التي أفرحها وأسعدها.

لقد فقدت الأرض جزءاً من العطاء والرحمة، وكثيراً من الحنان والإلهام، بغياب طبيب كريم، لم يتقاض أجراً، ولم يسع  لشهرة، وبخس في الأموال، لخدمة الفقراء والمحتاجين ونفعهم، والتيسير والتسهيل عليهم.

عاش 50 عاماً من حياته، بين صدور وآهات المعتلين، يسمع لأناتهم ليخففها عنهم، وليلقننا شيئاً من الإنسانية والعطاء، وتجربة متفردة من العواطف، وقانون المنح والبذل والتضحية، وإرثاً متفرداً قلما وجدناه أو سمعنا عنه،  لقد عاش رحيماً لتترحم عليه الناس بعد مماته، وعكس المفهوم الحقيقي لمهنة الطب وعلاج المصابين، فأصبح أنموذجاً مشرفاً وقدوة حسنة لكل إنسان .

إن أمثال هؤلاء الخيرين من الناس، هم من يستحقون الوفاء، ومن يستحقون الإشادة والتكريم، في كل الأوقات والأزمان، من سافروا لآخرتهم في دنياهم، وجعلوها دار مفر، وأدركوا أن الآخرة هي دار المستقر، فباعوا دنياهم بأعمالهم الصالحة، وأخذوا بوصية نبينا الكريم، عليه أفضل الصلاة والتسليم، من وجهنا إلى حب الفقراء والمساكين، قال : " أحب المساكين وجالسهم ولا تنظر إلى من هو فوقك وأنظر إلى من هو دونك "