في سباق الموت والحياة.. الراحلون هم الفائزون

الشفيع عمر حسنين

  • الأربعاء 22, يوليو 2020 01:22 م
  • في سباق الموت والحياة.. الراحلون هم الفائزون
فُجعت الشارقة ودولة الإمارات العربية المتحدة قبل فترة قصيرة بوفاة المغفور له بإذن الله الشيخ أحمد بن سلطان القاسمي، رحمه الله رحمةً واسعةً وأنزل عليه واسع رحمته بقدر ما قدم وعمل للوطن والمجتمع والأهل.
لحظاتُ الموت الكبرى، موتُ الكبار والآباء، تُجدّد ما نقتنصهُ من أعمارنا المكتوبة كلحظاتٍ سريعة بين الميلاد والمغادرة، يسبقنا الموتُ دوماً، نسبقه بالحياة زمناً، تحتفلُ بنا الحياة ونحتفل بها، وعند حضور الموت لمن نحبهم لا نجد أمامنا إلا شريطٌ من الذكريات يمرُّ سريعاً أمام أعيننا، وطعمُ الألم الشفيف، يُغلّفهُ صدقُ المشهد الآتي، وفوزُ الموت على الحياة، تلك هي الحقيقة، لا نجد غيرها ونحن نُواجه لحظات فقد الأحباء والكبارُ فينا، ولكن ما يُعزينا فيها أن من غادرونا للتوّ دون أدنى رغبة منهم أو منّا، هم من أشرفوا على ما نعيش فيه ونصنعه اليوم من حياة، الأحياء حزينون على الفراق بما يكفي ويزيدْ، والراحلون يغادرون في صمتٍ وراحة بال، كونهم قدموا وعملوا واجتهدوا وصنعوا وعلّموا وأنشأوا، ولم يبخلوا أبداً، وهي راحة البال التي تُهدئ من فزعنا من فكرة الموت والذهاب بلا عودة للمرة الأولى والأخيرة.

في لحظاتِ ما بعد الأخبار الحزينة، تمّر بنا لحظات الفقد، عاصفةٍ موجعةٍ، تضربُ فينا ضربةً واحدة لنحتاج معها باقي العمر لنستفيق منها، وإن استفقنا لا ننسى، وتظلُ الأماكنُ شاغرة الى الأبد، فمهما تقدم بنا العمر لا كبيرَ على حزن الفراق، بل على العكسِ تماماً، هذه السنوات الطويلة أو القصيرة في رفقة من نُحبّ من الراحلِين، تجعلُ الخوف من الموتِ لازمةٌ تسيرُ معنا ثالثُ ثلاثةٍ إذ هُم في القلبُ لحمةً واحدةً، والدٍ وأبنه، جدٍ وحفيده، أمٍ وابنتها، وغيرهما، أو هي اللازمة في الحقيقة متوزعةٌ بين الإثنين، ملتصقةٌ بالخلايا، وجذور الذات، والانتماء، وفي صمتِ وتعبيراتِ الحضور والأبوةَ والقدوة والاحترام والتقدير العميق بينهما.

في وقفةِ الموت، للرُّوحِ تقاطعاتها وقوانينها الخاصة، فما تعتبره الأجسادُ سنة الحياة وقدرها، تعتبرهُ الرُّوح امتداداً لحفرها في ثنايا العمق الأخير من العلاقات الإنسانية المتكاملة في لحظات الرحيل، فالراحلُ كان جزءاً من يوميات حياتنا، نِصفُ ما بروحه هو ما عندنا، إذن لابد من أن حوار الأرواح الذكية كان مشتعلاً بالحياة، وسيظلُ أكثر عند الفقدان، حوارٌ لا يُكتبْ ولكنه يتغذى من عميق الأفكار والأنفاس، غذاءٌ لا ينقطع بالرحيل ولكن يزداد مع السنوات والأيام، فما تعطيه الروح ينعكس فعلاً وقولاً وعملاً لا يرحلْ.

في رحلةِ الذهاب الأخيرة، لا استعداد للموت أبداً، مهما شاهدنا من علاماتٍ للفراق، عادةً ما تكونُ صحيةً تنهش أجساد من نُحب، في الغالب نتشبثُ بمزيدٍ من الحياة، وإن قالَ الأطباءُ والحكماء قولتهم لنا، فنقول لا وألف لا، فالفاصلُ الحاسمُ هنا هو مركزُ العاطفة والحنين والقوة الأزلية للانتماء، لا حدود لما ننتمي إليه، ولا موت مع الانتماء، هؤلاء الذين رحلوا، وسيرحلون، سيظلون في أرواحنا وأفكارنا وذكرياتنا وفي حياتنا الى الأبد، نبعهم لا ينقطع، فما علّمونا له من قيمٍ فاضلةٍ، ورؤىً ثاقبة، وحِكمٍ بالغةٍ، لن يُنهيها الفراق، بل وسيزيدُ الفاقدون والمحزونون حرصاً على السير فيه والاستزادة منه، فرحلة الحياة لن تتوقف، برغم الحزن الذي يسكن القلوب التي تنبضُ في الصدور، فوق كل ذلك، الإيمان بالقضاء والقدر.

رحيلُ الكبار من الآباء والأجداد والأمهات والقادة والعظماء، هو ذاتُ الرحيل، ولكن من يحزنهم هذا الفقدُ من الأحياء، ومكانةُ من رحلوا، هي ما توسّعُ وتُوزّعُ الحُزن بقدر ما قدموا من عطاءٍ وجهودٍ مباركةٍ أثمرت، وستظل شجرةً طيبةً تطرحُ ثمارها للناس والمجتمع والإنسانية، وخيرهم جميعاً، رحم الله المغفور له بإذن الله الشيخ أحمد بن سلطان القاسمي رحمةً واسعة وأسكنه فسيح جناته بقدر ما أعطى وبذل.