صبر الصقور

لؤي سعيد علاي النقبي

  • الأحد 31, مايو 2020 09:29 ص
  • صبر الصقور
جاء رجل للفيلسوف الحكيم بيدبا مؤلف الكتاب الرائع كليلة ودمنة، الذي ترجمه للعربية عبدالله بن المقفع، يشكو الضعف واليأس والحيرة في الأمر فنظر إليه الفيلسوف وسأله كم عمرك؟ فأجاب في نصف الأربعين، فقال الحكيم وقد يكون أمامك مثلهم عدداً فما أنت فاعل؟ أتظن أن الصقر أفضل منك؟
 فرد الرجل، كيف يكون الصقر أفضل مني؟
فاعتدل الحكيم وقال: "هناك في أعالي الجبال تسكن صقور برية وفي أحد الأعشاش تتشقق بيضة معلنة وفود جارح صغير يحاول كسر البيضة بلا مساعدة، فإن لم يستطع اختنق ومات فيدحرج الوالدان البيضة من العش مخلصين أنفسهم من عار الضعف، وإن نجح يفخر والداه به، ويقدمان كل ما يستطيعان لنموه".

لتبدأ رحلة إطعامه بطعام مهضوم مسبقاً مع تلقينه مبادئ الحياة، ومن ثم يرميان إليه بقطع اللحم ليتعلم كيف يستخدم منقاره ومخلبيه ليأكل ومن ثم يأتيان بالفريسة كاملة ليمزقها ويأكل.

هكذا الدروس تستمر إلى أن، يحين موعد طيرانه، فينشر جناحيه محلقاً وهما يساندانه ليتوازن، حتى إذا ما أتم دروسه انطلق معانقاً السحاب متفاخراً،وتمر به الأعوام عقداً تلو الآخر حتى يبلغ  منهم الـ 4 عقود وهو نصف تقدير أعمار الصقور البالغ 8 عقود.

بعدها يحس أن قواه بدأت تضعف ويزداد منقاره اعوجاجاً، فما كل لحم يستطيع نهشه وتبدأ مخالبه تضعف، ولا تستطيع حمل فرائس ثقيلة فتضيق دائرة صيده، وسيطرته، فيفكر بحاله ويتذكر حكمة قالها أبواه له يوماً بأن الصقور إذا أحست بضعف فلها 3 من الخيارات.

إما أن تقنع وترضي بقليل ما تصيد، وتنتظر الموت أو تطير لأقصى ارتفاع تستطيعه ثم تضم جناحيك وتترك جسدك يسقط يرتطم بالصخور فتموت شامخاً.

أما الاختيار الأخير، بأن تجمع ما يكفيك من طعام، وتبتعد لأحد القمم الصخرية، وهناك اكسر منقارك، وانزع مخالبك وانتف ريشك واصبر على وجعك وطول مدة حجرك حتى تنال منقاراً جديداً ومخالب حادة وريشاً أقوى وتبدأ دورة حياتك من جديد، فتعيش الباقي من عقود عمرك وكأنها عقودك الأولى قوياً مهاباً.

فقرر الصقر اختيار  البند الأخير، وظن بأنه وجع يتألم منه الشيء اليسير، وينتهي، لكن عندما بدأ التنفيذ أحس بمدى المعاناة والأوجاع ولكنه أصر على الاستمرار، والتحمل حتى يظفر بما يتمنى، وبعد الألم والجوع والتعب بدأت نتائج الصبر تظهر وبشائر ما يتمنى تثمر ويرجع لينشر جناحيه كشراع تحت الشمس، وتبدأ دورة جديدة في حياته بكل قوة وشموخ.

استوعب الرجل الحكمة، وخرج من عند الحكيم بيدبا مستبشراً، كذلك نحن يا أحبة ما أحوجنا لصبر الصقور، وإعادة حساباتنا في كل الأمور، واستغلال أوقاتنا في ظل هذه الجائحة، والحجر بإعادة الحسابات، وتنسيق أوراق الحياة، لتكون أيامنا بعد كورونا أجمل مما كانت قبلها إن شاء الله، ودمتم سالمين.