رد الاعتبار: المبدأ والملاءمة "الجزء الأول"

د. عبدالله بن ساحوه السويدي

  • الإثنين 10, فبراير 2020 11:17 ص
  • رد الاعتبار: المبدأ والملاءمة "الجزء الأول"
موضوعنا اليوم هو "رد الاعتبار" ليس بالجديد بل هو موضوع قديم تناوله الفقهاء بالشرح والتحليل منذ نشأة المبادئ الأولى وحتى يومنا هذا، وتناولوا تعريفه وأنواعه وشروطه في إطار القانون الجنائي، كما تناولته التشريعات الجنائية، ونصت عليه ومنها التشريع الجزائي الإماراتي والمشرع المحلي لإمارة الشارقة.
ولكنني أتناوله اليوم كما سبق وأن قمت بتناوله أكثر من مرة، متسائلاً حول جدوى هذا المبدأ، وهل حقق أهدافه؟ وهل نحن بحاجة لإدخال التعديل عليه بالحذف أو الإضافة؟ وكم عدد مَن دخل المنشآت العقابية تنفيذاً لحكم جنائي؟ وكم عدد المحكومين عليهم بعقوبة جنائية تستوجب بعد تنفيذها الحصول على رد اعتبار؟ وهل أثر فيهم المبدأ؟ وهل غير من واقعهم أم أساء لهم وللمجتمع؟

إن المجتمعات المتطورة دائماً ما تبحث عن المعوقات، وسبل التقدم، فالبحث والدراسة والتحليل ظواهر صحية في المجتمعات، تحفز المشرعين والكتاب والباحثين لبذل المزيد من الجهد والتفكير في سبيل التطوير، وليست ظاهرة النقد سلبية دائماً وتهدف للتجريح أو الانتقاص من شأن أحد، بل هو بمثابة تفاعل اجتماعي بناء.

والمعاناة هي من أهم أسباب البحث، فهناك من يعاني من فترات انتظار للحصول على شهادة رد الاعتبار، لينخرط في عمل يعول به عائلته ونفسه، ويقي الأسرة من الوقوع مجدداً في براثن الجريمة، التي قد تكون ساقته إليها الظروف مجبراً لا مخيراً، فيصبح فريسة سهلة لارتكاب الجرائم، لتوفير نفقاته ونفقات أسرته.

فقانون رد الاعتبار، يصيب أسرة المحكوم عليه، وليس الشخص فقط، بالعجز عن توفير احتياجاتهم، إذا كان هو المعيل الوحيد للأسرة، وجاء في قرآننا الكريم قوله تعالى:"وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قربى..."" سورة فاطر الآية 18"، وبالتالي فإن التسبب في حرمان الأسرة من الدخل بسبب حرمان الأب " أو الابن حسب الحالة" من الحصول على رد اعتباره أو تأخيره، قد يتعارض مع أحد مبادئ الشريعة الإسلامية، فما ذنب الأسرة في تحمل ذلك؟

وللدخول في التفاصيل يشترط إعادة التذكير بماهية رد الاعتبار، ومدده وشروطه لنتحدث عن جدواه وفائدته مع طرح وجه نظرنا بشأنه.

لماذا تناولنا موضوع رد الاعتبار؟

وسبق الإشارة إلى أن تناولنا لموضوع رد الاعتبار يأتي انطلاقاً من معاناة المحكوم عليهم لانتظار صدور شهادة حسن سيرة وسلوك، والتي تكون بمثابة رد اعتبار للمحكوم عليه.
وسيتخلل هذا الطرح تساؤلات ومقترحات لإثراء الحوار حوله فلكل مجتهد نصيب، فقد يؤخذ بما يرشح عن هذا الحوار، وقد تكون هناك أفكار أخرى، وحجج أكثر قوة من قبل الآخرين.

سلب الاعتبار ورد الاعتبار:

- من عبارة رد اعتبار نتجه مباشرة إلى أن هناك سلب لاعتبار إنسان، وبحاجة لرد فما هو سلب الاعتبار؟ وهل تطرق له القانون وعرفه صراحة، أم هو تلقائي يرادف العقوبة بمجرد توقيعها على شخص تؤدي إلى سلب اعتباره؟ الذي يقتضي رده إليه، وبالتالي الخضوع للشروط المنصوص عليها للحصول عليه.

- وإذا كان هناك واجب للحصول على موافقة على رد الاعتبار، فلماذا لا يكون هناك إعلان عن سلب الاعتبار؟ وطالما سلب الاعتبار ضمنياً فلماذا لا يكون رد الاعتبار ضمنياً؟ يتحقق بمجرد الانتهاء من تنفيذ العقوبة وبسلوك حسن خلال مرحلة التنفيذ.

سلب الاعتبار :
- تعريف ومعنى اعتبار في معجم المعاني الجامع هو تقديرٌ واحترامٌ وكرامة رجلٌ له اعتباره ومكانته بين النّاس. 
- يأخذ بعين الاعتبار: يُراعي أو يقدِّر. 
تعريف ومعنى سلب في معجم المعاني الجامع هو سلَبَ يَسلُب ويَسْلِب ، سَلْباً، فهو سالِب ، والمفعول مَسْلوب وسَليب. 
وسلَب فلاناً مالَه ، سلَب منه مالَه: انتزعه قهراً أو اختلاساً .
سلَب شرفَه: جرَّده ممّا يصونه من نفسِه. 
سَلَبَ فلاناً: أَخذ سَلَبَهُ، وجرَّدَهُ من ثيابه وسلاحه. 
- يستفاد من كتابات الشراح أن سلب الاعتبار هو انعدام الأهلية والحرمان من الحقوق كالطرد من الوظائف العامة، والحرمان من حق الانتخاب، أو الترشح.
- إذاً الاعتبار هو التقدير والاحترام، وكرامة ومكانة الإنسان.  
- والسلب هو الأخذ بالقوة.  
- من مجموع ذلك فمعني سلب الاعتبار هو الأخذ والانتقاص من التقدير والاحترام، والكرامة والمكانة للإنسان بين الناس بالقوة، أي تجريد الإنسان وسلب تقديره ومكانته.

- فهل تمت الإشارة لذلك صراحة أم أنه أمر تلقائي بمجرد صدور الحكم علي الشخص؟ ولماذا لا يكون انتهاء فترة الحكم بعد تنفيذه صحيحاً باكتمال مدته أو صدور عفو، أو إفراج شرطي أو بوفاة المحكوم عليه، عبارة عن رد اعتبار تلقائي دون حاجة لصدور أمر أو مرور مدة زمنية؟ فما الجدوى منها؟

- والمحير أن المشرعين أوردوا رد الاعتبار صراحة، ولكنهم لم يشيروا لسلب الاعتبار إلاّ إذا كان قصدهم بشكل غير مباشر من خلال العقوبة.

- تعريف رد الاعتبار:
يعرف رد الاعتبار على أنه نظام يقصد به منح المحكوم عليه بالعقوبة فرصة لإزالة الأثر المستقبلي للحكم، الذي سبق صدوره ضده.

فيسترد بذلك اعتباره الذي تأثر بالحكم المذكور، ومن ثم يسهل عليه العودة إلى الاندماج ثانية إلى المجتمع، وذلك بعد استكمال بعض الشروط التي تهدف إلى التثبت من أن المحكوم عليه، قد أصبح أهلاً لاسترداد اعتباره.

وهناك أنواع لرد الاعتبار منها القانوني والقضائي والإداري:

وتختلف مدده من دولة لأخرى حسب نوع الجريمة ومدة العقوبة، وتعريف ردُّ الاعتبار في القانون: هو إعادة التَّقدير والاحترام بعد صدور قرارٍ أو حُكْمٍ بالإدانة، أو ردُّ الكرامة وإعادة الحقوق المدنية وإلغاء العقوبة.

ويرى بعضهم بأن هناك رد اعتبار تجاري أيضاً، كل هذه تعريفات تصدى لها الفقهاء، حيث أشرنا للقدر اليسير منها لنمر من خلالها لوجهة نظرنا بشأن رد الاعتبار ومدى جدواه، وفائدته في عصرنا الحالي، وهل بحاجة لإلغاء أم تعديل أم ماذا لخدمة مجتمعاتنا؟

وما يعنينا من نظام رد الاعتبار هنا هو إمكانية الحصول على شهادة السيرة والسلوك ليتمكن المحكوم عليه من العمل، فالمسألة الأكثر أهمية من مزاولة الحقوق الأخرى.

- وقد أشار المشرع الإماراتي لرد الاعتبار القانوني والقضائي: يصدر رد الاعتبار القضائي حسب القانون الاتحادي 36 لسنة 1992م بحكم قضائي، ويترتب عليه محو الحكم بالإدانة بالنسبة للمستقبل، وزوال أسباب انعدام الأهلية والحرمان من الحقوق وسائر الآثار الجنائية، فيكون حامل رد الاعتبار كامل الحقوق، طاهراً من القضايا التي لحقت به من دون أي اعتبار لما ارتكبه قبل رد الاعتبار، كما يكون رد الاعتبار خاصاً بالشخص من دون ما يمس الحقوق الخاصة بالآخرين.

وسوف نتناول الفرق بين التشريعين الاتحادي رقم 36لسنة 1992 م والقانون المحلي لإمارة الشارقة رقم (1) لسنة 1987.

الفرق بين رد الاعتبار القانوني ورد الاعتبار القضائي:
 

- رد الاعتبار القانوني يتم تلقائياً بعد مرور 5 سنوات في الجناية، و3 سنوات في الجنحة، أما رد الاعتبار القضائي، فيستلزم التقدم فيه بطلب إلى الجهات القضائية المختصة، شريطة أن يكون قد مضى عامان على الجناية وعام واحد على الجنحة، وقد تختلف هذه المدد من تشريع إلى آخر.

جرائم تستبعد من شرط رد الاعتبار:
 

- توجد حالات لا تتطلب التقدم بطلب رد الاعتبار من قبل مرتكبها، لأنها لا تعد سابقة، وذلك لعدم توافر جميع الشروط المحددة بقانون رد الاعتبار وخاصة المادة رقم (1) من القانون الاتحادي رقم (36) لسنة 1992م، الذي ينص على ألا تكون الجرائم التي تنص القوانين الخاصة بها، عدم اعتبارها من السوابق الجرمية، والجرائم التي تكون عقوبتها المقررة في القانون، أو العقوبة المحكوم بها تعزيراً غير مقيدة للحرية، ما لم تكن الجريمة مخلة بالشرف والأمانة وجرائم الأحداث.

فإذا حكم على شخص بعقوبة من تلك الجرائم، فإنه لا يترتب عليها سلب للاعتبار، وبالتالي لا يحتاج المحكوم عليه بها إلى رد اعتبار مثل جرائم الأحداث، والجرائم الأخرى المحكوم فيها تعزيراً غير مقيد للحرية عدا جرائم الشرف والأمانة ، والجرائم التي تنص القوانين الخاصة بها على عدم اعتبارها من السوابق الجرمية فهي لا تعد من السوابق التي يستلزم فيها رد الاعتبار.

الإجراءات المتبعة لمن يرغب في استصدار رد اعتباره قضائياَ حسب القانون الاتحادي 36 لسنة 1992م:  

هناك خطوات يطلبها القانون لرد الاعتبار القضائي تقوم بها النيابة العامة، حيث يسجل للمتقدم رقم قيد بحسب السنة، وتخاطب النيابة الشرطة لموافاتها بالسجل الجنائي لآخر سابقة قيدت لطالب رد الاعتبار، ويتم استدعاء الشخص من قبل الشرطة، ويتم اتخاذ الإجراءات المتبعة، مثل التدقيق في سجلاته الجنائية، وظروف سكنه، وسلوكه خلال الفترة ما بعد الانتهاء من تنفيذ العقوبة السالبة للحرية المحكوم بها.

ومن ثم يبصم، وتتم موافاة النيابة بتقرير عنه، إذا لم يكن مطلوباً لأي جهة، أما إذا كان مطلوباً، فيرسل لجهة الاختصاص لتسوية دواعي طلبه، وهكذا تستمر الإجراءات لحين إصدار حكم من محكمة الجنايات برد اعتبار المحكوم عليه، وبالتالي يستطيع الحصول عل شهادة حسن السيرة والسلوك.