ديمومة

لؤي سعيد علاي النقبي

  • الأحد 24, نوفمبر 2019 08:48 ص
  • ديمومة
وقف عبد الملك بن مروان يرتب هندامه، وهو شاب ابن السابعة والعشرون من عمره قائلاً ونعم الشباب والملك لو يدوم، فردت عليه جارية له ما دام شيء يا مولاي، فلو دامت لمن قبلك ما وصلت إليك، وإن دامت لك ما وصلت لمن بعدك، لكنها لم تدم لمن قبلك ووصلت إليك، ولن تدوم لك وستصل لمن بعدك.
وهناك ملك آخر شيد قصراً بأصول هندسية تحدى بها كل مهندس وبناءٍ،  وأعلن أنّ من يجد في قصري هذا عيباً أعينه وزيراً لمملكتي مدى الحياة.

فاختار المعماريين والمهندسين وكل من له صلة بالبناء والتعمير فلم يجدوا له عيباً، إلا  أحد العجائز دخل متكئأ على عصا، وألقى التحية، ثم قال يا مولاي الملك، قصركم به عيبان، فاستغرب الملك والحضور، فكيف لكل تلك العيون لم تكتشف عيباً واحداً، بينما شيخ كبير يجد اثنين، فأردف العجوز قائلاً: يا مولاي البناء جميل، لكنه لن يدوم، ولا صاحبه يدوم.

فما من شيء على وجه البسيطة يدوم أحبتي، هذه هي تقلبات الأحوال على كل الأصعدة، فما من حال يبقى ويدوم للأبد، فلكل إشراقة أفول، ولكل كبوة نهوض، ولكل نزول صعود، فلا تدم قيود من أحوالنا وأحوال دنيانا، فكم من عزيز ذل، وكم من ذليل عُزّ، وكم من ناجح فشل، وكم من فاشل حالفه النجاح.

فديمومة الحال أحبتي من المحال، فالأعمار فانية، لكن لتكن في نفوسنا بصيرة ترشدنا لتمام الرضا بقضاء المولى وتيسيره، فالنوقن أحبتي بأن عطاء الله سبحانه عسيراً كان أم يسيراً لابد أن يكون مشكوراً ومحموداً، فما ضاقت إلا لتفرج، وما يسرت إلا لتحمد لقوله تعالى "فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًاK إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا" " سورة الشرح"
 
إن شغف الإنسان في ملاحقة التربع على عرش النفوذ والهيمنة بأنانية، هو دمار وليس إعماراً، فمن أراد إعمار الأرض سائراً على منهجية خلق الله  للبشر على الأرض كخلفاء معمرين لها، فليعمر ما استطاع لينعم به مع أبنائه، وكل من يليه لأنه يدرك بأن دوام الحال من المحال.

لنثابر أحبتي بالخير والكلمة الطيبة لديمومة الذكر الطيب بعد الرحيل، فكل مَن عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام، فسبحان من له الدوام.