لماذا نحتفي بالكتاب؟

أحمد بن ركاض العامري

  • الثلاثاء 17, ديسمبر 2019 12:51 م
  • لماذا نحتفي بالكتاب؟
يحق لمن يتابع المشهد الثقافي الذي تقوده إمارة الشارقة، أن يتساءل ما حاجة مجتمعات اليوم بهيئة خاصة للكتاب؟ وما الذي يعنيه أن تحمل مدينة لقب "العاصمة العالمية للكتاب"؟، وهل حقاً كل هذا الاحتفاء بالكتاب مجدي، وله أثره على أرض الواقع؟ أي هل معرض الشارقة الدولي للكتاب ضروري؟ وملايين الكتب التي تعرض سنوياً فيه مهمة ولازمة لأبناء المجتمع الإماراتي والعربي؟
كل هذه التساؤلات وغيرها حول أهمية الكتاب مشروعة، ومن المهم طرحها من جديد، فلو سألنا أحد أبنائنا ونحن نرتب أرفف مكتباتنا لماذا كل هذه الكتب؟ أو ما حاجتنا بها؟ يجب علينا أن نكون واعين وقادرين على الإجابة بصورة مقنعة، تتجاوز الإجابات الجاهزة والسريعة، التي تظل تؤكد أهمية الكتاب وتدعو للقراءة من دون برهان على ضرورتها.

الإجابة على هذا النوع من الأسئلة يمكن الوصول إليها بالوقوف عند تجارب البلدان الرائدة اليوم، وبالعودة إلى التاريخ، فهو المعلم الكبير، والأستاذ الذي يظل يرشد المستقبل، ويقود الأمم لتصنع حضارتها وتبني راهنها، حيث سنجد وأن أقوى البلدان اليوم على مختلف المستويات هي البلدان التي يحتل الكتاب مرتبة أولى في قائمة أولياتها، أن الحضارات القديمة التي وصلت إلينا وعرفنا منجزها كانت المعرفة والثقافة والفن عماد بنيانها.

قد يقول قائل: ما أهمية أن يذكرنا أبناء المستقبل، ويتعرف على حضارتنا؟  والإجابة على ذلك تظهر بالتأكيد على أن الحديث عن صناعة حضارة لا يعني حفظها في ذاكرة التاريخ، بقدر ما يعني هناء أبنائها اليوم، وعيشهم بتحضر ووعي وسلام وخير، فبناء الحضارات لم يقم ولم يتحقق إلا في فترات سلام الأمم ووئامها.

ولأن تحقيق التطور البشري عملية تراكمية، فإنه علينا تأمل ما ننعم به اليوم من ابتكارات وتقنيات سهلت حياتنا بوصفها نتيجة لسلسلة مبادرات وابتكارات سبقتنا إليها أمم وحضارات قديمة، وهنا يتجلى دورنا اليوم في تقديم ما يخدم الأجيال الجديدة من أبناء الحضارة الحديثة والمعاصرة، فالأمم تقاس بقيمة ما أضافته للحضارة الإنسانية الكبيرة، وقيمة الفرد داخل المجتمع تقاس بقدر وعيه وإدراكه لواجبه تجاه نفسه والعالم من حوله، وكل ذلك رهين المعرفة ومصدرها الأصيل "الكتاب".

كل هذا يقدم العناية بالكتاب في سياق التطور الحضاري، والرقي بالمجتمعات، لتكريس قيمتها في ذاكرة شعوب العالم، وتقديم معارف وابتكارات تخدم الأجيال الجديدة، لكن ليس بذلك وحده يمكن قراءة أهمية الكتاب وأثر المعرفة، فهناك أبعاد أخرى يمكن الوصول إليها ونحن نقف أمام مشهد جميل وندهش بجماله، أو ونحن نستمتع بموسيقى معينة، أو نبدو معجبين بفيلم ما.

إن هذه المشاعر وغيرها هي وليدة قيم جمالية راسخة فينا، وهذه القيم تبنى وتُشذب وتُشكل بالوعي المعرفي والقراءة والاطلاع، وأهميتها غير مدركة إلا لو تخيلنا بأن يعيش أحدنا بلا ذائقة مطلقاً، لا يميز الألوان، ولا يفضل موسيقى، ولا يقدر جمال أو قبح شكل؟ ألا يبدو ذلك غير إنساني بالمطلق.

لهذا لا يتوقف الحديث في الشارقة عن الكتاب، فالإنسان هو ركيزة نهضتها التي وضع دعائمها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس، الأعلى حاكم الشارقة، وكل فرد فيها هو شريك بجهده ووعيه في تقديم صورتها الحضارية إلى العالم.

وعلينا أن نؤكد أن القراءة ليست محصورة على الأدب، كما يختصرها البعض، وإنما هي مختصة في كل شيء، فلاعب كرة القدم يمكنه أن يقرأ كتباً يساعده في اللعب، والمعلم، والمهندس، وربة البيت، والممرض، وغيرهم، فدائماً هناك كتاب يرفع وعيك، ويحسن مهاراتك، وفي الشارقة نواصل العمل ليصل الكتاب لكل فئات المجتمع لهذا اخترنا أن يكون شعارنا في هيئة الشارقة للكتاب "تمكين المجتمعات عبر الكلمة المكتوبة".