بِنْتُ الصّبر

صالحة غابش

  • الإثنين 04, نوفمبر 2019 11:46 ص
  • بِنْتُ الصّبر
الهدم لا يحتاج سوى عقل مظلم ومعول، أيّاً كان حجمه أو حداثته، أما البناء فهو الأمر الذي يحتاج إلى هندسة وتفكيك العقد الحسابية، ورسم الاتجاهات التي يعتمد عليها ثبات البناء والاطمئنان على مكامن الرسوخ حتى يظل شامخاً قائماً، وصامداً في مواجهة الرياح والعواصف، وما شابهها.
إنه رسوخ الكرامة في أرض تنمو فيها الحرية، والبناء والكرامة وجهان لعملة الثقافة، فأن تبني، يعني أنك محاط بكرامة تعيشها من دون منغصات تسلبك إياها، وكرامة تطمئن بها، فتنام وتستيقظ بها، وتقرأ وتكتب بها، وتعيش وتؤدي عباداتك بها.

وأن تعيش بكرامتك، يعني أنك مطالب أن تكون مسؤولاً عنها، بأن تشارك في تأسيس مجتمعك، ومن ثم وضع اللبنات الداعمة لبقائه في أحسن حالاته، متقدماً متحضراً، يعمل لحاضر الإنسان ومستقبله.

تلك هي ملهمات الكلمة، التي ألقاها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة في افتتاح معرض كتاب الشارقة الدولي في دورته الـ 38، جامعاً الأفكار في وعاء العبارات المختزلة كعادة سموه، والتي تعكس معان مترامية الأطراف.

إن البناء الثقافي والتنمية الفكرية عملية نقش ورسم لا تنتهي في ساعة أو يوم، أو شهر أو عام، ولا حتى في أعوام، إنه رسم لملامح الشخصية الحرة المستقلة عبر زرع لا ينمو سريعاً مثل شجرة الباولونيا، لكنه ينمو كنمو النخلة.

تلك الشجرة التي تحتاج إلى صبر كي يجني الزارع ثمارها، وقد لا يتيح له العمر قطف الثمار، فيتركها لورثته من الأبناء والأحفاد، لكنها تبقى متوهجة بخضارها، ورسوخها وثباتها ونموها إلى الأعلى، تلك هي الثقافة.. بنت الصبر..

أربعون عاماً والشارقة العاشقة لامتدادها العلوي، تضع الحرف تلو الآخر في بناء كلمة الثقافة بجهود حاكمها، الذي علم مجتمعه معنى الثقافة، ومفاهيمها المتعددة معتمداً على العمل الميداني قبل النظري، حتى يكون أفراد المجتمع معه على طريق تحقيق رؤيته في بناء الإنسان.

وبعد أن اكتملت الثقافة ومعناها في ذهنية أبنائه الصغار والكبار، بدأت الشارقة تجني ثماراً ناضجة وذات مذاق حلو بدءاً من عام 1998، حين توجت مدينة عربية للثقافة ووصولاً إلى إعلان اليونسكو مؤخراً باختيار الشارقة عاصمة الإبداع في مجال الحرف والفنون الشعبية وسط احتفالات الإمارات بها عاصمة عالمية للكتاب.

وإن كانت تستحق أن تكون عاصمة في كل مجالات الإبداع، في مجال الشعر وهي تطلق مبادرة غير مسبوقة في بناء بيوت للشعر تنتشر في أنحاء العالم العربي، وفي مجال السرد الذي فتح شرفات مطلة على خريطة الوطن الكبير، وفي مجال المسرح الذي كان الاهتمام الاستثنائي به في الشارقة، أن اختارت كبريات المؤسسات العالمية المعنية بالثقافة والمسرح صاحب السمو الحاكم ليلقي كلمة المسرح العالمية بباريس في مارس 2007، وفي مجال الكتاب والقراءة، ولا مؤشر إلى ذلك أقوى من اختيارها عاصمة عالمية للكتاب.

الشارقة مدينة تبدو قصة جميلة تستحق أن تُكتب، وأن تُقرأ وأن تُسمع، والأجمل أن تعيش هذه القصة وتشارك بعض أحداثها.