السينما المبدعة تحتاج إلى جيل مبدع

الشيخة جواهر بنت عبدالله القاسمي

  • السبت 28, سبتمبر 2019 06:40 م
"الحياة قد تصبح عادية جداً، ولكن الفن يعطيها الجمال"، مقولة جميلة وملهمة نتذكرها ونحن على أبواب مهرجان الشارقة السينمائي الدولي للأطفال والشباب، الذي سيدخل هذه السنة عامه السابع.
سبعة أعوام بسبع احتفاليات، وآلاف الأفلام، ومئات الجلسات وعشرات الآلاف من الحضور والمشاركين، والحافز الذي يحركنا دائماً هو تكريس حضور السينما في حياة الجيل الجديد، ليس كمنتج نستورده بل كتجربة نصنعها.

السينما العظيمة لا يمكن أن تأتي من خارج بيئتها، أو تنفصل عن تجربة وثقافة وعلاقات أبناء هذه البيئة، وحتى تستفيد تجربة السينما المحلية من الحراك الفني العالمي، يجب أن تكون أولاً نتاجاً لتجربة المجتمع، تنمو بنموه وتتغذى على منجزاته وتطور ثقافته الفنية، فنقل تجربة السينما من الخارج لا يعني إطلاقاً نقل ثقافتها معها.

وحتى نضمن للسينما الإماراتية والخليجية والعربية نمواً وتطوراً أصيلاً، مرتبطاً بجذور تراثنا وتاريخنا، يجب أن نعمل على بناء ثقافة فنية خاصة بالطفل، قوامها سينما الطفل ومسرحه وموسيقاه وأدبه وأشعاره ووضعها في إطار ثقافي محدد، ومخصص لهذه الفئة العمرية.

إن بناء علاقة وثيقة بين الطفل والفنون، يعني أن ينمو الحس الفني لدى الطفل، وينضج بالتزامن مع نمو معتقداته وعواطفه وأفكاره.

هذا التوازن في النمو يضمن بناء شخصية اجتماعية سوية ومبدعة، لا تستهلك الفن بل تصنعه وتتأثر بفنون غيرها بوعي.

وهنا يأتي دور مهرجان الشارقة السينمائي الدولي للأطفال والشباب، ليسهم في تنشئة الطفل الإماراتي على أسس أخلاقية ومعنوية رفيعة، ويؤسس في وعيه دليلاً داخلياً يرشده نحو فهم الحياة وطبيعة دوره فيها.

أما بالنسبة للشباب الذين يستهدفهم المهرجان لأول مرة في دورته السابعة، فهناك حاجة ملحة يجب أن تتحقق لهذا الجيل على وجه التحديد، في هذا العصر بالذات، وهي حاجتهم لتجارب ذات مغزى، وحاجتهم للمعرفة التي تأتي على شكل حكاية بصرية محملة بالمشاعر والقيم، وحاجتهم للإجابة على سؤال يشغل بال شريحة واسعة منهم وهو: ماذا يمكنني أن أفعل في هذه الحياة ليكون لي دور وبصمة في صنع الجمال وتعميم الخير والدفاع عما أؤمن؟ هذه الحاجات والأسئلة تشبعها الفنون والسينما من خلال مشاهدتها وصناعتها على حد سواء.

إن العلاقة بين صناعة السينما وصناعة جيل مبدع، علاقة تبادلية، السينما المبدعة تحتاج إلى جيل مبدع، ومدرك لوظيفته، وصناعة هذا الجيل تحتاج إلى سينما منشغلة بقضاياه وأحلامه، تشاركه مسيرته وتغذي وعيه بالتجارب، وهذا يعني أن السينما تعكس هوية صانعيها وعاداتهم وتقدم للعالم هويتهم الأخلاقية والثقافية أكثر من أي وسيلة أخرى، وفي الوقت ذاته تعمل على تغذية الأخلاق والقيم والهوية وتثريها بتجارب غيرها من الهويات.

لهذا قلنا في مقدمة المقال بأنه لا يمكن استيراد تجربة سينمائية جاهزة، بل يجب أن تكون نبتاً أصيلاً في حقلنا الثقافي وليس دخيلاً عليه، وتتويجاً لنضج ثقافتنا وفنوننا، ونتاجاً لقدرة أبنائنا على دمجها في أعمال جميلة يطل من خلالها العالم على ثقافتنا ونمد بهاً جسوراً نحو ثقافات الشعوب الأخرى.

لقد أثبتت السينما تفوقها على غيرها من الأدوات في صناعة الوعي وبناء الصور الذهنية للأمم وتقديمها لساحة الرأي العالمي، فها نحن نرى الصين التي يمتلئ العالم بصناعاتها ومنجزاتها، تستثمر المليارات لبناء مجتمع سينمائي تخاطب العالم من خلاله وتقدم له هويتها.

ونرى السينما في كوريا الجنوبية تؤثر في وعي الناس ورأيهم أكثر مما تفعله منتجاتها وتقنياتها، أما هوليوود فقد استطاعت أن تنمّط ثقافة جيل عالمي كامل من خلال أفلامها، لدرجة أن كل ما يعرفه هذا الجيل عن أميركا هو فقط ما تقدمه أفلامها السينمائية وأعمالها الدرامية.

عندما تشاهد فيلماً يروي حكاية من صلب حياة شعب ما، لا شك سترتبط وجدانياً به وبأبطاله، ستتعاطف معهم وتفهمهم وتحبهم، وهذا ما نحتاج إليه اليوم، جيل قادر على صناعة سينما تنقل رسائلنا للعالم، وسينما قادرة على صناعة جيل يؤمن بالمحبة والتعاون كقاعدة لعلاقاته ونظرته للحياة.