"ألف ليلة وليلة: الفصل الأخير"... صناعة ذاكرة

الشيخ سلطان بن أحمد القاسمي

  • الأربعاء 24, أبريل 2019 02:57 م
  • "ألف ليلة وليلة: الفصل الأخير"... صناعة ذاكرة
الذاكرة بالنسبة للفرد ليست مجرد خيالات عابرة في حياته، تحتل وعيه للحظات ثم تمضي، بل حدثاً يستمر معه طوال حياته، يرافقه في سلوكه ومواقفه وقراراته كافة، ويصنع شخصيته، ويحدد علاقاته مع الآخرين.
أما الذاكرة بالنسبة للجماعة فهي رصيدها المعنوي، وترسانة قوتها، وأعمدة بنيتها الثقافية، وإرثها الذي تبني عليه منجزاتها، وبوصلتها التي تظل دوماً تذكرها بمحطات من التاريخ، صنعت مجدها وحددت مكانتها.

ولأن الأمم العظيمة، تحرص على صناعة ذاكرة أبنائها، وتجتهد لترك ميراث، يتناقله الأجيال بفخر وعزة، قررت الشارقة بتوجيهات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، وبالشراكة مع كافة مؤسساتها وفعالياتها الثقافية، أن يكون احتفالها بلقب العاصمة العالمية للكتاب بمثابة محطة نوعية في مسار منجزاتها.

محطة تواصل فيه شحذ الوعي، والفكر والهمم لسنوات طويلة قادمة، فكان إنتاج "ألف ليلة وليلة: الفصل الأخير" لافتتاح فعاليات هذا العام، جاء بنهاية لم تكتب من قبل، وقيم جديدة أضفناها على النص الأصلي تجسداً لرؤيتنا الخاصة، فيقدَّم لجمهور محب للمعرفة بمزيج جميل من اللغات، والفنون، والثقافات والجنسيات المشاركة من كل العالم.

إن "ألف ليلة وليلة: الفصل الأخير" سيكون حدثاً كبيراً شاملاً وبارزاً، ليس فقط في قائمة الفعاليات النوعية، التي تتحضر لها الشارقة في عام اللقب، بل في تاريخ اختيار العواصم العالمية للكتاب أيضاً.

ولأن كل حدث كبير لا يصلح بالضرورة، أن يكون ذاكرة جميلة وملهمة للأجيال، راعينا أن يجمع هذا العمل كافة العوامل، التي تدخل في عملية بناء جيل حضاري، يمتلك أدوات الغد ولغته وفنونه وجماله، وفي الوقت ذاته يرتبط بالتاريخ والتراث الإنسانيين ومنتجاتهما، فهو عمل يرمز إلى التنوع والتعددية وإلى ارتباط المحلي بالإقليمي والعالمي، وإلى التعاون والالتقاء على القيم السامية.

أردنا من "ألف ليلة وليلة: الفصل الأخير" أن يكون ذاكرة شاملة، تختزل كافة عناصر بناء شخصية، تعي تاريخ التنوع، وتتفهم الاختلاف، وتنظر إليه كمشهد حضاري جمالي لا غنى عنه لاستمرار الحياة، وهذا ما يتجسد في رمزية ألف ليلة وليلة، التي جمعت تجارب الشعوب المختلفة، وحكاياتها وطموحاتها في عمل واحد.

كما حرصنا أن يمثل ذاكرة ثرية بالفن والرقي، والعمل المشترك، وهذا سيتجلى في عدد الأشخاص، والجنسيات التي ساهمت في إخراجه للجمهور، تخصصات متعددة ولغات مختلفة، ومهارات متباينة، ولكنها تجتمع في لوحة واحدة من الضوء والخيال والكلمات، والحركة، لتروي للجمهور حكاية هذا الإرث الإنساني المشترك، وتترك للأجيال القادمة أثراً على أهميته، ووصية للتمسك بها نهجاً في نسج العلاقات والتقارب والتعارف.

ستكون "ألف ليلة وليلة: الفصل الأخير" حاضرة في ذاكرة الإمارة والدولة والعالم، ذاكرة تؤكد أن التجارب الناجحة للأمم، التي تتوّج بتكريم العالم، إذ لا يمكن لها أن تنمو منعزلة، بل في سياق علاقتها وتفاعلها مع التجارب الأخرى، تأخذ منها، وتضيف عليها في تبادل يشكل شريان حياة الأمم منذ نشأت وتبلورت مصالحها، تبادل متكافئ وعادل بكل المقاييس.

وبالرغم من ضخامة العمل وشموليته، إلا أنه ليس نخبوياً بالمطلق، لم يصمم لفئة دون غيرها، بل حرصنا على أن يقدم في إطار من الجمال، والمرح والحركة والتفاعل، ليخاطب الجميع، ويصل إليهم ويتفاعل معهم، إنه عمل للمجتمع بكل أعماره وفئاته، يفرح له الطفل، ويتعلم منه شيئاً، يقرأ فيه المثقف رسالة جميلة، ويرى فيه الآباء ما يجذبهم ويضيف لهم.

إن "ألف ليلة وليلة: الفصل الأخير" الذي تتحضر الشارقة والعالم لاستقباله ومشاهدته لن يشكل نهاية فصول الفخر والنجاح بطبيعة الحال، بل سيفتح نافذةً على المزيد منها، فالإمارة التي تحتضن هذا الكم الكبير من الحراك والإرث المعرفي ستظل تعدكم بالمزيد من الفصول، وستعمل بالتزام واعٍ على إلهام أجيالنا العربية، لتكتب فصولها الخاصة بأيديها وعقولها ومن فرادة تجربتها، التي تتغذى من تاريخ يُصنع بوعي وإدراك لمتطلبات المستقبل.