الإبداع تجديد للحياة

ريم بن كرم

  • الأحد 24, مارس 2019 07:39 ص
يصنف كل فعل يقوم به الطفل في سنواته الأولى على أنه إبداع، كأول كلمة وأول خطوة، وأول حرف يكتبه، وأول مغامرة لوحده في المنزل، وأول وجبة يتناولها بدون مساعدة، كل هذه التجليات التي تترجم الارتقاء في مهارات الطفل ما كانت لتحصل لولا صفات بعينها تميز الطفل عن غيره.
فالدهشة والشغف بالمعرفة والجرأة في تجربة كل ما هو جديد، والسعي لاكتشاف محيطه وبناء علاقة معه. هذه السمات التي تجتمع في الطفل هي جوهر اكتساب المعرفة وتطوير المهارة.

من هذه الرؤية، انطلقنا في بينالي أطفال الشارقة، ليكون فضاءً رحباً تنمو فيه تلك السمات التي تميزهم، ويحفظها من الاختفاء التدريجي تحت وطأة الحياة ومشاغلها، لتبقى معهم أساساً للتفكير والعمل وبناء العلاقات مع غيرهم على قاعدة من الإبداع والتميز، وليتسنى لهم توظيفها في إنتاج أدوات تتحول أمام أعينهم إلى واقع مجسد.

فالإبداع مجموعة من المهارات التي تنمو وتتطور في البيئة الملائمة، وتتراجع إذا ضاقت المساحات عليها.

إن نجاح بينالي الشارقة للأطفال ينطلق من رؤيتنا لهذه الفعالية السنوية الهامة على أنها جزء من منظومة كاملة تستهدف رعاية مواهب الأطفال وتطويرها، منظومة تتشارك فيها العائلة والمدرسة والمؤسسة، لذا من الضروري التركيز على ثقافة ورؤية بينالي الشارقة للأطفال، ليتسنى لجميع الشركاء امتلاك إطار للتعامل مع الطفل بشكل يحقق رؤيتنا وأهدافنا.

وأول قواعد إطار العمل هذا، هو منح المساحة الكافية لإبداع الأطفال وتفكيرهم، وعدم محاكمة إبداعاتهم بمنطق الكبار، فما يراه الكبير عادياً، يراه الطفل غريباً ومدهشاً، يثير فيه التساؤلات والبحث عن إجابات شافية، لهذا اخترنا هذه السنة شعار "المستقبل بحدود خيالك"، أي خيال الطفل الذي يتعدى الحدود التقليدية، وليس خيال المشرفين عليه، سواء كانوا في البيت أو المدرسة أو المؤسسة.

أما القاعدة الثانية لإطار التعامل مع إبداع الأطفال، فهي أن يشعروا بأننا نؤمن بهم، وبقدراتهم، وأننا نتعامل بجدية مع كل ما تنتجه عقولهم، وأياديهم.

إن الإيمان هنا يشكل شرطاً لعلاقة سليمة بين الطفل والمشرفين عليه، ودافعاً يشجعه على إطلاق العنان لفكره، ومخيلته وعلى التعبير عن نفسه والحديث عما يحب ويكره وما يريد.

وبمعنى آخر، ضرورة أن نعي أن إبداع الطفل نتاج تكامل بين مخيلته، وصحته العقلية والنفسية ومحيطه الاجتماعي، وهذه العوامل جميعاً، يجب مراعاتها بدقة وبدون استثناء من قبل المشرف على الطفل.

أما القاعدة الثالثة، فهي أن الإبداع جزء من التنشئة السليمة، فسعي الوالدين أو المدرسين نحو منح مساحة كافية ومستقلة للطفل، والتصريح باحترام خياراته، وما يفكر فيه، يؤدي إلى تكوين شخصية سوية، شخصية قادرة على المبادرة والريادة في مجالها المهني والاجتماعي.

بينما نقيض الإبداع، أي مصادرة مساحات الطفل والهيمنة على مسار أفكاره، سيؤدي في المقابل إلى شخصية منزوية غير مبادرة وسلبية تجاه مسؤولياتها الخاصة والعامة.

أما القاعدة الرابعة والتي قد تبدو غريبة للوهلة الأولى، فهي عدم الإسراع إلى تقديم الحلول في كل مرة، يتعرض فيها الطفل لمشكلة، أو يواجه تحد، وهذا يتطلب ضبط النزعة الفطرية عند الأبوين القائمة على تسهيل حياة الطفل.

إن إشراك الأطفال في نقاش مشكلاتهم، وطرح الحلول لمواجهتها في غاية الأهمية، لتنمية الحس الإبداعي لديهم، بينما تقديم الحلول الجاهزة لهم، سيضر بجانب مهم من دورهم، وهو البحث والتفكير والتجريب.

هذه القواعد هي خلاصة تجربتنا في بينالي الشارقة للأطفال الذي يتكامل مع المؤسسة الأكاديمية، والاجتماعية لتنمية مهارات الطفل، ورعاية إبداعه.

فالإبداع لا يتحقق من خلال شهر في حياة الطفل، ولكن بالشراكة والتعاون، على أن تكون كل أيامه ولحظاته مساحة محفزة على التفكير، والتخيل، والمبادرة.

والإبداع أيضاً لا يجب أن يفهم على أنه تلك الاختراعات الكبيرة فقط، بل هو نمط حياة جميل، وأسلوب تعامل راقي، ومهمة تجديد متواصلة للحياة.